موقع النجم الاخباري

مشهد البداية.. لوحة الرسوم والصدمة الدستورية

السبت 21 فبراير 2026 11:24 صـ 4 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في لقطةٍ تخيلية قد تبدو محسوبة بعناية، يقف الرئيس الأمريكي رافعًا لوحة بعنوان "Reciprocal Tariffs" — رسوم "المُعاملة بالمثل"، تتضمن قائمة دول ونِسَب، في رسالة مفادها أنَّ السياسة التجارية يمكن ضبطها بقرار تنفيذي سريع.

لكن في 20 فبراير 2026، تدخلت المحكمة العليا الأمريكية لتقول كلمتها: هذه ليست الطريقة الدستورية لفرض ضرائب على العالم.

بهذا القرار، لم تعد القضية مجرد نزاع حول نسب رسوم، بل تحوَّلت إلى اختبار صريح لحدود السلطة التنفيذية في النظام الدستوري الأمريكي.

تركيبة الحكم.. أغلبية عابرة للاستقطاب

صدر القرار في قضية Learning Resources, Inc. v. Trump بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة.

الأغلبية رفضت اعتبار قانون الطوارئ الاقتصادية (IEEPA) تفويضًا يسمح للرئيس بفرض رسوم جمركية واسعة النطاق، في المقابل، دافع ثلاثة قضاة عن شرعية هذه الصلاحية وهم: بريت كافانو، وكلارنس توماس، وسامويل أليتو، اللافت أنَّ ضمن الأغلبية قاضيين محافظين عيَّنهما ترامب نفسه وهما: نيل غورساتش، وإيمي كوني باريت، إضافة إلى رئيس المحكمة جون روبرتس، إلى جانب القضاة الليبراليين الثلاثة، هذا الاصطفاف منح الحكم طابعًا مؤسسيًّا أكثر منه سياسيًّا.

أين اعترضت المحكمة؟ جوهر المسألة

الإدارة برَّرت الرسوم بأنها مدروسة وتستند إلى عجز تجاري و"تهديد غير عادي"، وأطلقت عليها وصف "المُعاملة بالمثل"، لكن المحكمة لم تناقش جدوى السياسة، بل ناقشت مصدر السلطة.

بحسب رأي الأغلبية، القراءة التي تبنَّتها الإدارة لقانون IEEPA تمنح الرئيس قدرة غير محدودة مثل فرض رسوم على أي دولة وعلى أي سلعة بأي نسبة ولأي مدة.

وهنا جوهر الاعتراض: التفويض الدستوري لفرض الضرائب والرسوم يعود في الأصل إلى الكونغرس، ولا يمكن استنتاجه من عبارات عامة تتحدَّث عن "تنظيم" الاستيراد.

عبارات الحكم التي صنعت الحدث

1) "هذه الكلمات لا تتحمَّل هذا الحمل"
أشار رئيس المحكمة جون روبرتس، إلى أن الإدارة استندت إلى كلمتين في النص القانوني – "regulate" و"importation" — لبناء سلطة فرض رسوم شاملة.

وردَّ بأن هذه الكلمات "لا تتحمَّل هذا الحمل"، في إشارة إلى أن النص لا يمنح تفويضًا صريحًا بفرض تعريفات جمركية.

كما شدد على أنَّ قانون IEEPA لا يذكر رسوم أو ضرائب تُفرض على الواردات. (tariffs أو duties) أصلًا، ولم يسبق أن فُسِّر تاريخيًّا باعتباره يمنح هذه الصلاحية.

2) "لسنا خبراء اقتصاد.. نحن حُرَّاس الدستور"

أكَّد روبرتس، أنَّ المحكمة لا تقيم السياسات الاقتصادية أو تدير السياسة الخارجية، بل تطبق حدود السلطة المنصوص عليها في الدستور.

بالتالي، خلصت الأغلبية إلى أن IEEPA لا يجيز للرئيس فرض رسوم جمركية.

3) رأي غورساتش المرافق

القاضي نيل غورساتش، أشار في رأيه المرافق، إلى أنَّ العملية التشريعية قد تكون بطيئة ومحبِطة، لكنها تُمثِّل "حائط الصدّ" الذي يحمي التوازن بين السلطات.

فحتى لو بدا المسار التنفيذي أسرع وأكثر فاعلية، فإن الدستور يفرض حدودًا لا يمكن تجاوزها.

موقف الأقلية.. أداة تقليدية وتحذير مالي

القضاة الثلاثة المعارضون رأوا أنَّ الرسوم أداة تقليدية وشائعة لتنظيم الاستيراد، ويمكن اعتبارها ضمن صلاحيات الطوارئ الاقتصادية، كما حذروا من أن إبطال الرسوم قد يفتح الباب أمام مطالبات باسترداد مليارات الدولارات، ما قد يخلق تعقيدات إجرائية واسعة ويزيد من حالة عدم اليقين.

هذا التحذير لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يمتد إلى التأثيرات المالية والإدارية.

رد الفعل التنفيذي.. مسار بديل

الرئيس وصف القرار بأنه مخيب للآمال، وأعلن التوجُّه إلى مسار قانوني بديل: Section 122 من قانون التجارة لعام 1974، الذي يسمح بفرض رسوم عالمية مؤقتة بنسبة تصل إلى 15% ولمدة لا تتجاوز 150 يومًا، وطُرحت نسبة 10% كخيار فوري.

إلى جانب ذلك، تبقى أدوات أخرى مطروحة مثل Section 301 وSection 232، وهي مسارات أكثر بطئًا لكنها تُعد أكثر رسوخًا من الناحية القانونية.

ماذا يعني الحكم دستوريًّا؟

القرار يعيد التأكيد على أن سلطة فرض الضرائب والرسوم تبقى في جوهرها اختصاصًا تشريعيًّا.

حتى في حالات الطوارئ، لا يمكن توسيع النصوص العامة إلى درجة تمنح السلطة التنفيذية تفويضًا مفتوحًا.

بهذا المعنى، يُشكِّل الحكم إعادة رسم واضحة للحدود بين البيت الأبيض والكونغرس في إدارة السياسة التجارية.

التداعيات الاقتصادية.. تقلُّب ممتد بدل صدمة واحدة

من الناحية الاقتصادية، لا يعني الحكم نهاية ملف الرسوم، بل انتقاله إلى إطار مختلف.
بدل أداة واسعة وسريعة، أصبح المسار يعتمد على أدوات مؤقتة أو إجراءات تحقيق أطول.

هذا التَّحوُّل قد يؤدي إلى زيادة التقلب في الأسواق، وحالة ترقُّب لمسارات قانونية بديلة، وتعقيد في

توقعات الشركات والمستثمرين بشأن استقرار السياسات التجارية، بعبارة أخرى، انتقلت القضية من "ضغطة قلم" إلى معركة إجراءات متعددة المراحل.

الحكم لم يُنهِ الجدل حول الرسوم الجمركية، لكنه أعاد ضبط قواعد اللعبة، المحكمة قالت بوضوح إنَّ الطوارئ لا تعني تفويضًا مفتوحًا، وإن فرض الضرائب يظل في جوهره شأنًا تشريعيًّا.

أما اقتصاديًّا، فالمشهد لا يتجه إلى هدوء كامل، بل إلى مرحلة جديدة من إعادة التموضع القانوني والسياسي، حيث ستتحدد آثار القرار بمدى قدرة الإدارة على استخدام المسارات البديلة، وبسرعة تفاعل الكونغرس معها.