موقع النجم الاخباري

سامر شقير: لماذا تنجح الشركات كلما سرَّحت موظفين أكثر؟

الأحد 5 أبريل 2026 01:43 مـ 17 شوال 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في واحدة من أكثر اللحظات صدمة في قطاع التكنولوجيا، كشفت خطوة Oracle الأخيرة عن حقيقة قاسية تتشكَّل في قلب الاقتصاد الرقمي: النمو لا يعني الأمان الوظيفي، بل قد يكون أحيانًا مقدمة لقرارات أكثر قسوة.

فالشركة التي أعلنت عن قفزات قوية في إيرادات السحابة وصافي الدخل، قررت في الوقت ذاته تسريح عشرات الآلاف من موظفيها عبر رسالة بريد إلكتروني باردة، في مشهد يلخص التحوُّل العميق الذي تقوده ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما حدث ليس مجرد إعادة هيكلة تقليدية، بل انعكاس لتحول استراتيجي جذري في طريقة بناء الشركات والرسالة التي بدأت بعبارات إنسانية قصيرة، وانتهت بقرار إنهاء الخدمة فورًا، لم تكُن سوى واجهة لقرار مالي واستثماري أعمق، إعادة توجيه الموارد من العنصر البشري إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث تُضخ مليارات الدولارات في مراكز البيانات والخوارزميات.

وراء هذا التَّحوُّل يقف اسم بحجم لاري إليسون رئيس مجلس إداراة أوراكل، الذي لطالما عُرف برؤيته الحادة في إدارة التحولات الكبرى والمفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن الشركة تحقق نموًا قويًّا،

ومع ذلك تختار تقليص قوتها العاملة بنسبة ضخمة، في خطوة تؤكد أن معيار الكفاءة في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد عدد الموظفين، بل قدرة الشركة على تحقيق "أقصى إنتاجية بأقل موارد بشرية".

هذه ليست حالة معزولة، بل جزء من نمط يتكرر عبر وادي السيليكون، شركات كبرى مثل Amazon وMeta وIBM تتبنى النهج ذاته: تقليص الوظائف التقليدية مقابل تسريع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والرسالة المشتركة واضحة، المستقبل للشركات التي تستطيع العمل بفرق أصغر، لكنها مدعومة بتقنيات أكثر ذكاءً.

من زاوية استثمارية، يرى سامر شقير أنَّ ما يحدث لا يجب تفسيره كإشارة ضعف، بل كدليل على إعادة توزيع رأس المال نحو المجالات الأعلى عائدًا.

فالشركات لم تعد تقيس نجاحها بعدد الموظفين أو حتى بنمو الإيرادات فقط، بل بقدرتها على التحول السريع نحو اقتصاد يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي وهذا التحول، رغم قسوته على المدى القصير، يفتح الباب أمام دورة ابتكار جديدة قد تُعيد تشكيل السوق بالكامل خلال السنوات المقبلة.

لكن هذا المسار لا يخلو من التحديات وعلى المدى القريب، تؤدي هذه التسريحات إلى فقدان خبرات تراكمية داخل الشركات، وتخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي لدى الموظفين المتبقين، ما قد ينعكس سلبًا على الإبداع.

إلا أن الصورة الأكبر، تكشف عن انتقال هذه الكفاءات إلى شركات ناشئة، مما يغذي النظام البيئي للابتكار ويخلق فرصًا جديدة خارج الكيانات التقليدية.

التحول الحقيقي هنا ليس تقنيًّا فقط، بل ثقافي أيضًا والشركات لم تعد تبحث عن موظفين ينفذون مهام روتينية، بل عن عقول قادرة على العمل جنبًا إلى جنب مع الآلة، المهارات التي كانت كافية قبل خمس سنوات لم تعد تضمن البقاء اليوم، وهو ما يفرض على الأفراد إعادة تعريف دورهم في سوق العمل.

بالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة أوضح من أي وقت مضى: الأموال تتجه نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات إلى الطاقة التي تغذيها، ومن البرمجيات إلى النماذج الذكية والشركات التي تنجح في تحقيق هذا التوازن بين خفض التكاليف التشغيلية والاستثمار في المستقبل هي التي ستقود المرحلة المقبلة.

أما في المنطقة العربية، فالمعادلة تحمل فرصة وتحديًّا في آن واحد، الفرصة تكمُن في الدخول المبكر إلى هذا التحول عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وبناء المهارات البشرية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أما التحدي، فهو تجنب التحول إلى مجرد مستهلك لهذه التكنولوجيا دون امتلاك القدرة على إنتاجها أو تطويرها.

في النهاية، ما فعلته Oracle ليس حدثًا عابرًا، بل إشارة قوية إلى أن قواعد اللعبة قد تغيرت ولم يعد السؤال: كم عدد الموظفين لديك؟ بل: كم يمكن لتقنياتك أن تفعل بدلًا منهم؟ وفي هذا العالم الجديد، مَن لا يواكب التحول، قد يجد نفسه خارج اللعبة أسرع مما يتوقع.