سامر شقير يكتب.. عربة تسوق تكشف اقتصادًا يُعاد تشكيله من الداخل
قد تبدو عربة التسوق في أحد المتاجر السعودية مشهدًا يوميًّا مألوفًا، لكنها في الحقيقة تختصر تحولًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا عميقًا يُعيد تشكيل نمط الحياة داخل المملكة، فبين خضراوات طازجة مثل البروكولي والبرتقال، ورفوف اللحوم والدواجن، تتشكَّل ملامح سوق غذائي جديد تقوده عوامل متداخلة: ارتفاع الدخل، وتنامي الوعي الصحي، وتسارع تطبيق مستهدفات رؤية 2030.
لم يعد الاستهلاك الغذائي في السعودية مجرد تلبية للحاجة، بل أصبح تعبيرًا عن وعي متغير لدى المستهلك، خلال عامي 2024 و2025، شهدت سلة الغذاء السعودية ارتفاعًا في استهلاك اللحوم والدواجن، بالتوازي مع نمو واضح في الطلب على الخضراوات والفواكه والمنتجات الغنية
بالبروتين عالي الجودة، ما يعكس انتقالًا تدريجيًّا من "الاستهلاك الكمي" إلى "الاختيار النوعي".
لكن هذا التحوُّل يحمل مفارقة لافتة: رغم استمرار ارتفاع معدلات السمنة في بعض المناطق، يتزايد وعي المستهلك السعودي بصحته، إذ لم يعد يبحث فقط عن الغذاء المشبع، بل عن الغذاء المتوازن
والصحي والطبيعي، وهذا التحول في السلوك يُعيد رسم خريطة الطلب داخل السوق الغذائي بالكامل.
هذا التغيُّر لم يأتِ بمعزل عن السياسات العامة، بل هو نتيجة مباشرة لبرامج الأمن الغذائي ضمن رؤية 2030، التي تستهدف تعزيز الاكتفاء الذاتي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتطوير قطاع زراعي وصناعي غذائي أكثر استدامة وكفاءة.
وتشهد المملكة توسعًا متسارعًا في استخدام تقنيات الزراعة الحديثة مثل الزراعة المائية والزراعة الذكية، إلى جانب تطوير سلاسل التبريد، ودعم الصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة، وهو ما
ينعكس على نمو السوق الغذائي بمعدل سنوي يتراوح بين 4% و5%.
يرى رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ هذا التحوُّل لا يمكن قراءته كاتجاه استهلاكي فقط، بل كفرصة اقتصادية استراتيجية طويلة المدى، ويقول: «قطاع الغذاء في السعودية اليوم يمر بمرحلة تشبه البدايات الأولى لتحولات كبرى في قطاعات استراتيجية، مَن يفهم ديناميكية هذا السوق مبكرًا ويبني فيه منظومة متكاملة سيحصل على ميزة تنافسية طويلة الأجل».
ويضيف شقير، أن الفرص لا تكمُن فقط في المنتجات النهائية، بل في بناء سلاسل القيمة الكاملة، من الإنتاج إلى التصنيع إلى التوزيع، إضافة إلى الاستثمار في العلامات التجارية الصحية، والتقنيات الزراعية المتقدمة.
وتبرز عدة مجالات استثمارية واعدة، من أبرزها إنتاج البروتين المحلي عالي الجودة، والأغذية الصحية والوظيفية، وقطاع الوجبات الجاهزة والمطابخ السحابية، إضافة إلى الزراعة المتقدمة والاستدامة التي تُمثِّل حجر الأساس للأمن الغذائي المستقبلي.
كما يشير شقير إلى أن الدعم الحكومي، والديموغرافيا الشابة، والتحول الثقافي نحو أنماط استهلاك أكثر وعيًا، تجعل من عام 2026 وما بعده فترة مثالية لدخول هذا القطاع.
في النهاية، لم تعد عربة التسوق مجرد مشهد يومي عابر، بل أصبحت مرآة لاقتصاد يتحول بهدوء، كل منتج داخلها يعكس اتجاهًا اقتصاديًّا أوسع، من الاستيراد إلى الإنتاج، ومن الاستهلاك التقليدي
إلى الوعي الصحي، ومن السوق المحلية إلى اقتصاد غذائي متكامل.
ويبقى السؤال الأهم اليوم ليس ماذا يشتري المستهلك؟ بل كيف سيُعيد هذا التحول تشكيل خريطة الاستثمار في السنوات المقبلة؟ ومَن سيكون جزءًا من هذا الاقتصاد قبل اكتماله؟
