سامر شقير: اقتصاد الوظائف الحرة في الصين يكشف الحاجة إلى توازن جديد بين الابتكار الرقمي والحماية الاجتماعية
أكد سامر شقير، رائد الاستثمار، أن النمو المتسارع لاقتصاد الوظائف الحرة في الصين يمثل واحدة من أبرز التحولات التي يشهدها سوق العمل العالمي، مشيرا إلى أن الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية وفر فرص دخل لملايين العمال، لكنه في الوقت نفسه يكشف تحديا استراتيجيا يتعلق بقدرة أنظمة الرعاية الاجتماعية على مواكبة طبيعة العمل الجديدة.
وقال سامر شقير إن صورة العامل على دراجته الكهربائية ممسكا بهاتفه الذكي أصبحت رمزا لمرحلة اقتصادية جديدة، حيث تحولت التكنولوجيا من مجرد أداة لتحسين الإنتاجية إلى منصة لإعادة تشكيل علاقة الإنسان بالعمل. وأضاف أن الهاتف الذكي أصبح في كثير من الحالات بوابة الدخول إلى سوق العمل، بينما أصبحت الخوارزميات تحدد توزيع الطلبات ومستويات الدخل ومسارات العمل، وهو ما يعكس تحول السلطة الإدارية من المؤسسات التقليدية إلى المنصات الرقمية.
وأوضح سامر شقير أن توسع اقتصاد الوظائف المرنة في الصين يعكس قدرة هذا النموذج على امتصاص الضغوط الاقتصادية وتوفير فرص سريعة أمام العمال الذين فقدوا وظائفهم التقليدية بسبب التحولات في قطاعات العقارات والتصنيع والتكنولوجيا، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن استمرار هذا النموذج دون تطوير منظومة حماية متكاملة قد يؤدي إلى تحديات طويلة الأمد على مستوى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وأشار سامر شقير إلى أن انتقال أعداد كبيرة من العمال، بمن فيهم خريجو الجامعات والموظفون السابقون في القطاعات التقنية، إلى مجالات مثل التوصيل والنقل عبر التطبيقات يوضح حجم التغيرات التي يمر بها سوق العمل العالمي. وقال إن هذه الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بالعمالة منخفضة المهارة، بل أصبحت تشمل شرائح واسعة من أصحاب الخبرات الذين يجدون أنفسهم أمام واقع جديد يتطلب إعادة تعريف مفهوم الوظيفة والاستقرار المهني.
وأكد سامر شقير أن الأرقام المرتبطة بانتشار العمل المرن في الصين تعكس تحولاً هيكلياً وليس مجرد ظاهرة مؤقتة، موضحا أن دخول مئات الملايين من الأشخاص في نماذج عمل غير تقليدية يفرض على الحكومات والشركات إعادة التفكير في آليات التأمين الصحي والتقاعد والحماية من مخاطر فقدان الدخل.
وقال إن التحدي الأكبر لا يكمن في وجود اقتصاد المنصات الرقمية بحد ذاته، بل في كيفية بناء نموذج يحقق التوازن بين مرونة السوق وحقوق العامل. وأضاف أن التكنولوجيا قادرة على خلق فرص اقتصادية واسعة، لكنها تحتاج إلى بيئة تنظيمية تضمن ألا يتحول العامل الرقمي إلى طرف يتحمل جميع المخاطر بينما تتركز المكاسب في المنصات والشركات الكبرى.
وأضاف سامر شقير أن ضعف مساهمات العاملين في الأنظمة الاجتماعية يمثل قضية اقتصادية مهمة، لأن تراجع قاعدة المساهمين قد يضغط على استدامة صناديق التقاعد والتأمينات مستقبلا. وأوضح أن قوة أي اقتصاد لا تقاس فقط بعدد الوظائف التي يوفرها، بل أيضا بمدى قدرة هذه الوظائف على بناء استقرار مالي واجتماعي للأفراد والأسر.
وأشار إلى أن تجربة الصين تقدم دروسا مهمة للاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حد سواء، خصوصا الدول التي تعمل على تسريع التحول الرقمي وتنويع مصادر النمو. وقال إن جذب الاستثمارات التقنية وتطوير الاقتصاد الرقمي يجب أن يسيرا بالتوازي مع بناء رأس مال بشري قوي وشبكات أمان اجتماعي حديثة.
وأوضح سامر شقير أن منطقة الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ضمن مستهدفات رؤية 2030، تتابع هذه التحولات باعتبارها جزءا من مستقبل الاقتصاد العالمي. وأكد أن الاستثمار في التكنولوجيا والمنصات الرقمية وقطاعات المستقبل يجب أن يرتبط بتطوير مهارات القوى العاملة وخلق نماذج عمل مستدامة توفر فرصا حقيقية للنمو المهني.
وقال سامر شقير إن الاقتصادات التي ستنجح في المرحلة المقبلة ليست فقط التي تمتلك أفضل التقنيات، بل التي تستطيع دمج الابتكار مع بناء مجتمعات أكثر قدرة على التكيف. وأضاف أن التحول الرقمي يجب ألا يُقاس فقط بعدد التطبيقات والمنصات الجديدة، وإنما بقدرته على تحسين جودة الحياة ورفع مستوى الأمان الاقتصادي للعاملين.
وأشار إلى أن تجربة العامل الذي يعتمد على الدراجة الكهربائية والهاتف الذكي تلخص معادلة الاقتصاد الحديث: سرعة الوصول إلى فرص العمل من جهة، والحاجة إلى ضمانات أكبر للاستقرار من جهة أخرى. وأكد أن المستقبل يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومات والقطاع الخاص والمنصات الرقمية لوضع قواعد جديدة للعمل تتناسب مع العصر الرقمي.
واختتم سامر شقير تصريحه بالتأكيد على أن اقتصاد الوظائف الحرة سيظل جزءا أساسيا من مستقبل سوق العمل العالمي، لكنه يحتاج إلى تطوير مستمر حتى يتحول من حل مؤقت للأزمات إلى منظومة اقتصادية مستدامة تمنح الأفراد فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم وتحقيق الاستقرار المالي والاجتماعي.
