سامر شقير: اقتصاد صناع المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي أعاد رسم خريطة الاستثمار في الأصول الرقمية
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن اقتصاد المحتوى الرقمي يشهد تحولاً هيكلياً متسارعاً مع الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى وإدارة العلامات التجارية الرقمية، مؤكداً أن هذه التطورات فتحت المجال أمام نماذج أعمال جديدة تعتمد على أصول رقمية منخفضة التكلفة وقابلة للتوسع، بما يعيد تشكيل أولويات المستثمرين في الاقتصاد الرقمي.
وأوضح شقير أن المستثمرين باتوا يبحثون بصورة متزايدة عن القطاعات التي تمتلك فرص نمو تتجاوز الحدود التقليدية للاقتصاد الرقمي، في وقت تتجه فيه رؤوس الأموال إلى تقييم الشركات والمنصات القادرة على تحويل التفاعل الرقمي إلى تدفقات نقدية مستدامة. وأضاف أن القيمة الاستثمارية لم تعد ترتبط بحجم الجمهور فقط، وإنما بقدرة الشركات ورواد الأعمال على بناء منظومات تحقق عوائد متكررة من الملكية الفكرية، والمنتجات الرقمية، وقنوات التوزيع المباشرة.
الأصول الرقمية تتفوق على نموذج الإعلانات التقليدي
وأشار سامر شقير إلى أن قطاع المحتوى يشهد انتقالاً تدريجياً من نموذج يعتمد بصورة أساسية على عوائد الإعلانات إلى نموذج أكثر تنوعاً يقوم على امتلاك أصول رقمية قابلة للتكرار، تشمل المنتجات التعليمية، والاشتراكات، والأدوات الرقمية، وبرامج التسويق بالعمولة، والخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وأضاف شقير أن هذا التحول أسهم في تقليل اعتماد صناع المحتوى على تقلبات خوارزميات المنصات الرقمية، ومنحهم مصادر دخل أكثر استقراراً وتنوعاً، وهو ما عزز اهتمام المستثمرين الباحثين عن نماذج أعمال تتمتع بهوامش ربح مرتفعة وقابلية كبيرة للتوسع دون الحاجة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة.
الذكاء الاصطناعي يعزز إنتاجية رأس المال
وأوضح سامر شقير أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي ساهمت في خفض تكلفة إنتاج المحتوى وتسريع دورات تطوير المنتجات الرقمية، بما أتاح إطلاق خدمات ومنتجات جديدة خلال فترات زمنية أقصر مقارنة بالنماذج التقليدية.
وأكد شقير أن "الأثر الاقتصادي الحقيقي للذكاء الاصطناعي لم يقتصر على الأتمتة، بل امتد إلى رفع إنتاجية رأس المال، حيث أصبحت الشركات ورواد الأعمال قادرين على تحقيق قيمة أعلى من الموارد نفسها عبر خفض التكاليف التشغيلية وتسريع الوصول إلى الأسواق."
وأضاف أن استمرار تطور هذه الأدوات سيجعل معايير المنافسة أقل ارتباطاً بحجم فرق العمل، وأكثر اعتماداً على جودة البيانات، وقوة العلامة التجارية، والقدرة على بناء علاقات مباشرة ومستدامة مع العملاء.
اهتمام متزايد من المؤسسات الاستثمارية
وأشار سامر شقير إلى أن صناديق الاستثمار الجريء وشركات Private Equity أولت اهتماماً متزايداً بالشركات التي تعتمد على نماذج أعمال تحقق إيرادات متكررة وهوامش تشغيلية مرتفعة، خاصة في قطاعات البرمجيات والاقتصاد الرقمي.
وأضاف شقير أن المؤسسات المالية أصبحت تنظر إلى اقتصاد المحتوى باعتباره امتداداً طبيعياً للاقتصاد القائم على المعرفة، حيث تحولت البيانات والجمهور والملكية الفكرية والأصول الرقمية إلى عناصر قابلة للتقييم والاستثمار، بدلاً من كونها أدوات تسويقية فقط.
وأوضح أن هذا الاتجاه اكتسب زخماً إضافياً مع استمرار الشركات في توجيه جزء متزايد من ميزانيات التسويق نحو القنوات الرقمية وصناع المحتوى، وهو ما دعم الطلب على حلول تحليل البيانات، وأدوات إدارة الجمهور، وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
انعكاسات اقتصادية أوسع
ورأى سامر شقير أن انتشار نماذج الأعمال الرقمية قد يسهم في رفع إنتاجية الاقتصاد وخفض تكاليف تأسيس المشاريع، الأمر الذي يعزز ريادة الأعمال ويرفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي لعدد متزايد من الأسواق.
وأضاف شقير أن انخفاض الحواجز أمام دخول السوق سيؤدي إلى زيادة المنافسة، ما يجعل جودة المحتوى، وبناء الثقة، والقدرة على الاحتفاظ بالعملاء عوامل أكثر أهمية من مجرد الوصول السريع إلى الجمهور.
وفي المقابل، أشار إلى أن القطاع لا يزال يواجه تحديات تنظيمية تتعلق بحوكمة الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، وحقوق الملكية الفكرية، إلى جانب احتمالات تغير سياسات المنصات الرقمية، وهو ما يتطلب من المستثمرين تقييم المخاطر التشغيلية بالتوازي مع فرص النمو.
فرص استراتيجية للاقتصاد السعودي والخليجي
وأكد سامر شقير أن هذا التحول يتوافق بصورة مباشرة مع مستهدفات الاقتصاد السعودي ورؤية 2030، التي تركز على تنمية الاقتصاد الرقمي، وتعزيز ريادة الأعمال، ودعم الابتكار التقني.
وأوضح شقير أن توسع الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي قد يخلق فرصاً أكبر أمام الشركات الناشئة المتخصصة في أدوات المحتوى، والتحليلات، والتقنيات الإبداعية، للحصول على التمويل والتوسع داخل المملكة والمنطقة.
وأضاف أن "الاستثمار في السعودية والاقتصاد الخليجي أصبح يرتبط بصورة متزايدة ببناء منظومات رقمية قادرة على إنتاج قيمة مضافة طويلة الأجل، وليس بمجرد تبني التقنيات الحديثة، إذ إن تخصيص رأس المال خلال السنوات المقبلة سيمنح الأفضلية للشركات التي تنجح في تحويل الابتكار إلى تدفقات نقدية مستدامة ضمن إطار قوي من حوكمة الشركات."
آفاق استراتيجية للمستثمرين
وأشار سامر شقير إلى أنه خلال الاثني عشر شهراً المقبلة سيركز المستثمرون بصورة أكبر على الشركات التي تقدم حلولاً عملية لاقتصاد المحتوى والذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء بالوعود التقنية.
وأضاف شقير أنه على المدى المتوسط، سيصبح امتلاك أصول رقمية قادرة على تحقيق تدفقات نقدية متكررة أحد أهم المعايير المستخدمة في تقييم شركات الاقتصاد الرقمي.
وأوضح أنه على المدى الطويل لن تدور المنافسة حول امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي بحد ذاتها، وإنما حول القدرة على توظيفها في بناء علامات تجارية قوية، وقواعد عملاء مستقرة، ونماذج أعمال تحقق نمواً مستداماً.
واختتم شقير حديثه قائلاً إن "المستثمرين المؤسسيين سيواصلون توجيه اهتمامهم نحو الشركات التي تجمع بين الابتكار والانضباط المالي والقدرة على خلق قيمة اقتصادية طويلة الأجل، باعتبارها الأكثر استعداداً للاستفادة من التحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد العالمي."
وأكد في ختام تحليله أن اقتصاد صناع المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع ناشئ، بل أصبح أحد المحركات الرئيسة لإعادة تشكيل الاستثمار في الأصول الرقمية، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام المستثمرين الباحثين عن النمو المستدام في الاقتصاد الرقمي.
