رأس المال يُغيِّر رهاناته في عصر الذكاء الاصطناعي.. سامر شقير يشرح ملامح المرحلة الجديدة
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن أسواق رأس المال الخاصة دخلت مرحلة جديدة في دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بعدما تحولت بوصلة المستثمرين من التركيز على النماذج التوليدية إلى الشركات التي تبني البنية التحتية المؤسسية، وأتمتة العمليات، وتطوير حلول الرعاية الصحية، والخدمات المالية، والأمن السيبراني.
وأوضح شقير، أن أحدث جولات التمويل التي حصلت عليها مجموعة من الشركات الناشئة العاملة في قطاع الذكاء الاصطناعي، والتي بلغت تقييمات بعضها أكثر من 850 مليون دولار بينما تجاوزت أخرى 200 مليون دولار، عكست تحولًا استراتيجيًّا في أولويات المستثمرين، إذ لم يعد الهدف تحقيق نمو سريع فقط، وإنما الاستثمار في نماذج أعمال قادرة على التوسع وتحقيق تدفقات نقدية مستدامة على المدى الطويل.
وأضاف شقير، أن الأسواق انتقلت تدريجيًّا من "اقتصاد التطبيقات" إلى "اقتصاد البنية التحتية الرقمية"، معتبرًا أن هذا التحول قد يعيد رسم خريطة الاستثمار المؤسسي عالميًّا خلال السنوات المقبلة.
المستثمرون لم يعودوا يبحثون عن أفضل نموذج لغوي
وأشار سامر شقير، إلى أن عام 2023 شهد موجة استثمارية غير مسبوقة عقب النجاح التجاري للنماذج التوليدية، إلا أن المرحلة الحالية أصبحت أكثر نضجًا، بعدما تغيرت معايير التقييم بصورة واضحة.
وأوضح شقير، أن المستثمرين لم يعودوا يبحثون عن الشركات التي تمتلك أفضل نموذج لغوي، وإنما عن الشركات القادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى حلول إنتاجية تحقق وفورات تشغيلية ملموسة للشركات والحكومات.
وأضاف شقير، أن جولات التمويل الأخيرة أكدت أن القيمة الاقتصادية لم تعد تتركز في تطوير النماذج الأساسية وحدها، وإنما أصبحت تنتقل إلى الشركات التي تبني طبقات تشغيلية فوق تلك النماذج في قطاعات الرعاية الصحية، والتكنولوجيا القانونية، والخدمات المالية، والأمن السيبراني، وإدارة المعرفة، وأتمتة الأعمال، والذكاء المؤسسي.
وأكد شقير، أن هذا التحول يعكس نضوج دورة الاستثمار في القطاع، حيث أصبح المستثمر المؤسسي يمنح أولوية أكبر لجودة الإيرادات، ومعدلات الاحتفاظ بالعملاء، وإمكانات التوسع العالمي.
تقييمات مرتفعة.. لكن بمعايير أكثر صرامة
وقال سامر شقير: إن تقييمات الشركات الناشئة، التي تراوحت بين 200 مليون دولار وأكثر من 850 مليون دولار رغم وجودها في مراحل نمو مبكرة، قد تبدو مرتفعة وفق المعايير التقليدية، إلا أن مستثمري رأس المال الجريء لا يبنون قراراتهم على الأرباح الحالية، وإنما على قدرة هذه الشركات على السيطرة مستقبلًا على أسواق قد تتجاوز قيمتها عشرات المليارات من الدولارات خلال العقد المقبل.
وأشار شقير، إلى أن صناديق الاستثمار أصبحت أكثر انتقائية مقارنة بما كانت عليه قبل عامين، خاصة بعد تصحيح تقييمات شركات التكنولوجيا عالميًّا وارتفاع أسعار الفائدة.
وأوضح شقير، أن جولات التمويل باتت تخضع لمعايير أكثر صرامة، تشمل سرعة الوصول إلى الإيرادات، وكفاءة الإنفاق، وجودة العملاء، ووضوح نموذج الأعمال، والقدرة على تحقيق هوامش ربح مستقبلية.
الذكاء المؤسسي أصبح الوجهة الجديدة لرأس المال
وأضاف سامر شقير، أن المرحلة المقبلة لن تشهد فوز الشركات التي تقدم أكثر التطبيقات إثارة، وإنما الشركات التي تتحول إلى جزء أصيل من البنية التشغيلية للمؤسسات.
وأكد شقير، أن المستثمر المؤسسي أصبح يبحث عن الشركات التي يصعب الاستغناء عنها، لأن الاعتماد عليها يزداد مع توسع الأعمال، وليس عن حلول يمكن استبدالها بسهولة بمجرد ظهور منافس جديد.
وأشار شقير، إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الكفاءة، بل أصبح أصلًا إنتاجيًّا داخل المؤسسات، وهو ما غيّر طريقة تقييم الشركات وأعاد تعريف مفهوم القيمة طويلة الأجل.
الرعاية الصحية في صدارة القطاعات الجاذبة للاستثمار
وأوضح سامر شقير، أن التكنولوجيا الصحية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أصبحت من أكثر القطاعات قدرة على جذب رؤوس الأموال، في ظل الضغوط المتزايدة الناتجة عن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، ونقص الكوادر، وشيخوخة السكان في العديد من الاقتصادات المتقدمة.
وأضاف شقير، أن هذه التحديات دفعت الحكومات ومقدمي الخدمات الصحية إلى التوسع في تبني حلول تعتمد على الأتمتة والتحليل الذكي، الأمر الذي يعزز جاذبية الشركات المتخصصة في التشخيص، وإدارة البيانات الطبية، وتسريع تطوير الأدوية أمام المستثمرين خلال السنوات المقبلة.
التكنولوجيا القانونية تفتح سوقًا عالمية جديدة
وأشار سامر شقير، إلى أن التكنولوجيا القانونية برزت أيضًا باعتبارها واحدة من أسرع القطاعات نموًا داخل منظومة الذكاء الاصطناعي.
وأوضح شقير، أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على مراجعة العقود، وتحليل المخاطر القانونية، وتسريع أعمال الامتثال والحوكمة، وهي مهام كانت تتطلب سابقًا آلاف الساعات من العمل البشري.
وأضاف شقير، أن هذا النوع من الشركات يتمتع، من وجهة نظر صناديق الاستثمار، بإمكانات توسع عالمية مع انخفاض تكلفة تقديم الخدمة، وهو ما يعزز جاذبيته الاستثمارية بصورة كبيرة.
التحول العالمي يخلق فرصًا جديدة في الخليج
وقال سامر شقير: إن هذا التحول يتقاطع بصورة مباشرة مع الأولويات الاقتصادية في دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي تضع الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي ضمن الركائز الأساسية للتنويع الاقتصادي في إطار رؤية 2030.
وأوضح شقير، أن المملكة تواصل تعزيز بيئة ريادة الأعمال، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ودعم الشركات التقنية، إلى جانب ضخ استثمارات كبيرة في مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والبنية الرقمية.
وأضاف شقير، أن الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي قد تستفيد من التوسع في الطلب الحكومي والخاص على حلول الأتمتة والتحليل الذكي، بما يفتح فرصًا استثمارية جديدة أمام صناديق الاستثمار المحلية والعالمية.
رأس المال العالمي يعيد توزيع رهاناته
وأكد سامر شقير، أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعًا مستقلًا، وإنما باعتباره طبقة إنتاجية ستؤثر في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأضاف شقير، أن الشركات القادرة على تحسين إنتاجية المؤسسات، وخفض التكاليف، وتعزيز جودة اتخاذ القرار ستكون الأكثر قدرة على جذب التمويل، حتى في ظل استمرار ارتفاع تكلفة رأس المال.
وأشار شقير، إلى أن المنافسة الحقيقية خلال المرحلة المقبلة لن تكون بين شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، وإنما بين القطاعات التي ستنجح في دمج هذه التقنيات داخل نماذج أعمالها وتحويلها إلى ميزة تنافسية مستدامة.
رؤية استراتيجية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن صناعة الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة أكثر نضجًا، انتقل فيها التركيز من الابتكار التقني وحده إلى القدرة على خلق قيمة اقتصادية قابلة للقياس.
وقال شقير: إن السؤال الذي يشغل المستثمرين المؤسسيين اليوم لم يعد: "مَن يمتلك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي؟"، وإنما: "مَن يمتلك أفضل نموذج أعمال قادر على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى تدفقات نقدية مستدامة؟".
واختتم سامر شقير قائلًا: إن المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، بل بعدد الشركات التي يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًّا من بنيتها التشغيلية، لأن القيمة طويلة الأجل في الأسواق لا تُبنى على الضجيج التقني، وإنما على القدرة المستمرة على رفع الإنتاجية، وتحسين تخصيص رأس المال، وتحويل الابتكار إلى ميزة تنافسية يصعب تقليدها.
