موقع النجم الاخباري

تقييد المراسلة بالدولار لبنك مصر.. سامر شقير يكشف انعكاسات القرار على البنوك الخليجية

الأحد 30 أغسطس 2026 05:40 مـ 16 ربيع أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن الإجراء المقترح من وزارة الخزانة الأمريكية تجاه خدمات المراسلة بالدولار لفروع بنك مصر في الإمارات لم يكن مجرد تطور مصرفي محدود، بل كشف عن تحول أوسع في طريقة تسعير المخاطر الجيوسياسية والامتثال داخل مراكز المال الخليجية.
وأوضح شقير أن القاعدة، التي ما زالت في مرحلة الإشعار باقتراحها ولم تدخل حيز التنفيذ، تستهدف فروع بنك مصر في الإمارات تحديدًا، ولا تمتد وفق البيانات الرسمية إلى عمليات البنك داخل مصر أو فروعه في أسواق أخرى، مضيفًا أن الرسالة للمستثمر المؤسسي لا تتمثل في عقوبة مكتملة على القطاع المصرفي المصري، وإنما في اختبار قدرة البنوك على عزل المخاطر جغرافيًّا والحفاظ على قنوات الدولار في بيئة تتزايد فيها مخاطر العقوبات الثانوية.

الخزانة الأمريكية تعيد رسم خريطة الدولار
وأشار سامر شقير، إلى أن شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية «FinCEN» اقترحت منع المؤسسات المالية الأمريكية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالح فروع بنك مصر في الإمارات أو نيابة عنها، مع إلزام البنوك الأمريكية باتخاذ خطوات معقولة لمنع تمرير المعاملات المرتبطة بهذه الفروع عبر حسابات مراسلة لمؤسسات أجنبية.
وقال شقير: إن التقديرات الأمريكية تحدثت عن معاملات بنحو 1.8 مليار دولار بين يناير 2024 ويونيو 2026 لصالح 103 شركات صنفتها الوزارة ضمن شبكات مصرفية موازية محتملة، مشددًا على أن الرقم لا يمثل حكمًا قضائيًّا، لكنه يكفي لإعادة تشغيل نماذج المخاطر لدى البنوك المراسلة ومديري السيولة بالدولار وصناديق الدخل الثابت.

بنك مصر بين العزل القانوني ومخاطر السمعة
لفت سامر شقير إلى أن بنك مصر، ثاني أكبر بنك في مصر والمملوك للدولة، يمتلك حضورًا خارجيًّا في الإمارات والسعودية ولبنان وأوروبا وأفريقيا، مؤكدًا أن البنك شدد على احترام الأطر التنظيمية، وأن الإجراء المعلن لا يزال إشعارًا باقتراح قاعدة يخضع لفترة تعليقات رسمية قبل اتخاذ قرار نهائي.
وأضاف شقير أن البنك المركزي المصري أكد أن الإجراء يقتصر على معاملات فرع الإمارات مع المراسلين بالدولار، ولا يمتد إلى البنوك العاملة داخل مصر أو الفروع الخارجية الأخرى.
وأوضح شقير، أن هذا الفصل الجغرافي مهم، لكنه لا يلغي انتقال مخاطر السمعة والامتثال في نظر الأسواق، قائلًا: إن المستثمرين لا يسعرون النص التنظيمي أولًا، بل يسعرون احتمال انتقال «خصم الامتثال» من الفرع إلى المجموعة، حتى مع وجود تأكيدات رقابية بالعزل.

الدولار يعيد توزيع خطوط التجارة والتمويل
وأكد سامر شقير، أن الإمارات تمثل عقدة رئيسية للتحويلات والتجارة وتمويل الشركات والسيولة بين القاهرة ودبي وأبوظبي، ولذلك فإن تقييد المراسلة بالدولار لا يعني إغلاق الفروع أو وقف الخدمات بالدرهم، لكنه قد يرفع تكلفة التسوية بالدولار ويضغط على التجارة المقومة بالعملة الأمريكية.
وأشار شقير إلى أن الشركات قد تعيد توزيع حساباتها نحو بنوك تمتلك مسارات مقاصة أقل تعرضًا للمخاطر التنظيمية، لافتًا إلى أن دورات سابقة مماثلة شهدت انتقالًا تدريجيًّا في حصص تمويل التجارة إلى بنوك خليجية ودولية ذات بنية امتثال أعمق.

هل ترتفع علاوة المخاطر؟
قال سامر شقير: إن المستثمرين في أدوات الدين السيادية والمصرفية المصرية سيترقبون مسار القاعدة لتحديد ما إذا كانوا سيطالبون بعلاوة مخاطر إضافية، مضيفًا أن بقاء الإجراء محصورًا ومؤقتًا وانتهاؤه بترتيبات امتثال واضحة قد يجعل أثره سعريًّا ومحدودًا، بينما قد يؤدي تحوله إلى نمط أوسع من الاستهداف الثانوي إلى إعادة تسعير مخاطر الطرف المقابل في خطوط التمويل بالدولار على مستوى المنطقة.
وأوضح شقير أن صناديق الاستثمار السيادية ومديري الأصول الخليجيين ينظرون إلى التطور باعتباره إشارة إلى إعادة ترتيب مسارات الدولار، وليس أزمة مصرفية مصرية منفردة، قائلًا: إن الإمارات مركز لتجميع السيولة الإقليمية، بينما تعمل السعودية على توسيع أسواق الدين والأسهم ضمن رؤية 2030 واستراتيجية الاستثمار الوطني.
وأضاف أن أي اضطراب في قنوات المراسلة يعيد طرح سؤال استراتيجي حول مكان الاحتفاظ بالسيولة الدولارية التشغيلية والبنوك التي يمكن اعتبارها بنية تحتية آمنة لتدفقات التجارة والطاقة واللوجستيات.

الاستثمار يصبح أكثر انتقائية
رجح سامر شقير ألا يؤدي التطور إلى انسحاب جماعي من القطاع المصرفي المصري، بل إلى إعادة توزين المخاطر داخل المجموعة الواحدة وبين العملات، موضحًا أن التعرض للجنيه والسوق المصرية يخضع للاقتصاد الكلي والإصلاحات والتمويل الخارجي، بينما يخضع التعرض الدولاري للفروع الخارجية للعقوبات الثانوية وحوكمة الامتثال.
وقال شقير: إن البنوك الإماراتية والسعودية والدولية قد تستفيد من إعادة توزيع بعض خطوط تمويل التجارة وحسابات الشركات إذا طال أمد عدم اليقين، رغم استمرار العلاقات مع الجاليات والشركات المصرية والخدمات بالعملات المحلية.

الامتثال يتحول إلى أصل استثماري
وأشار سامر شقير، إلى أن ارتفاع متطلبات مكافحة غسل الأموال واكتشاف الأنماط يدفع البنوك إلى زيادة الاستثمار في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وأنظمة الحوكمة العابرة للحدود، مؤكدًا أن الامتثال لم يعد مجرد تكلفة تشغيلية، بل أصبح متغيرًا في تقييم جودة الأرباح واستدامة الحصة السوقية.
وحدد شقير أربعة مخاطر رئيسية تتمثل في إطالة فترة التعليق، وتوسع التفسير الأمريكي ليشمل أطرافًا أخرى في شبكة المراسلة، ورد فعل تحوطي مفرط من بنوك غير أمريكية، إضافة إلى الخلط إعلاميًّا بين اقتراح القاعدة والعقوبة النهائية.

ثلاثة سيناريوهات أمام المستثمرين
قال سامر شقير: إن السيناريو الأساسي يتمثل في بقاء الإجراء محصورًا في فروع الإمارات واستمرار الخدمات، مع دخول البنك فترة التعليقات وصولًا إلى تسوية تنظيمية أو تعزيز إجراءات الامتثال. وفي هذه الحالة، يبقى الأثر التشغيلي محليًّا مع علاوة مخاطر محدودة على أدوات المجموعة.
أما السيناريو البديل، بحسب شقير، فيتمثل في توسع عملية «النبذ الاقتصادي» لتشمل مؤسسات أخرى، بما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكز مالية وسيطة في المنطقة، بينما يبقى السيناريو الثالث، والأقل ترجيحًا على المدى القريب، هو انتقال السوق نفسها إلى الربط بين الفرع والمجموعة رغم التأكيدات الرسمية.

خريطة جديدة لتخصيص رأس المال
واختتم سامر شقير بأن المؤسسات التي تدير محافظ خليجية ومصرية ستحتاج إلى فصل التعرض الدولاري لفروع الإمارات عن التعرض للجنيه والسوق المصرية، ومراجعة خطوط تمويل التجارة بالدولار، ومراقبة مهلة التعليقات باعتبارها مؤشرًا لا يقل أهمية عن قرارات البنوك المركزية.
وقال شقير: إن رأس المال المؤسسي في 2026 لم يعد يبحث عن بنك «بعيد عن السياسة»، لأن ذلك غير متاح في نظام مالي عالمي يقوم على الدولار، وإنما عن مؤسسة تعرف حدود كل رخصة جغرافية وكيفية تسعير مخاطرها.
وأضاف أن البنوك التي تخرج من هذه الدورة بإفصاح أكثر دقة ونظم رقابة مستقلة لكل سوق ستكون في موقع أفضل لجذب الودائع الدولارية والاستثمارات الاستراتيجية، مؤكدًا أن القرار الاستثماري لا يتمثل في الانسحاب أو التجاهل، بل في إعادة تخصيص داخل القطاع: سيولة تشغيلية نحو قنوات مقاصة أكثر وضوحًا، ووزن أكبر لحوكمة الفروع الخارجية، وصبر انتقائي تجاه الأصول المحلية المدعومة برقابة مركزية واضحة.