موقع النجم الاخباري

سامر شقير: رأس المال الخليجي يُعيد ترتيب أولوياته بينما ترتفع كلفة التمويل عالميًّا

السبت 5 سبتمبر 2026 11:54 صـ 22 ربيع أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في أسبوع شهدت فيه أسواق الدخل الثابت العالمية موجة بيع وارتفاعًا في كلفة التمويل، ظهرت فجوة متزايدة في سلوك رأس المال بين الخليج والأسواق الناشئة، فقد جمعت السعودية 3.25 مليار دولار عبر صكوك دولية اجتذبت طلبات بنحو 16.5 مليار دولار، أي أكثر من خمسة أمثال حجم الإصدار، بينما شهدت أدوات الدين المصرية تخارجًا جزئيًا للأجانب بالتزامن مع تراجع الجنيه.
ويرى رائد الاستثمار سامر شقير، أن المشهد لا يتعلق باتجاه أسعار الفائدة وحده، بل بجودة رأس المال نفسه، موضحًا أن الخليج بات قادرًا على جذب التمويل وإعادة تدويره داخل منظومة استثمارية طويلة الأجل، في حين تختبر مصر قدرة تدفقاتها على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية وسعر الصرف.

المال أصبح أغلى لكن رأس المال لم يغادر الخليج
تحركت عوائد الخزانة الأمريكية صعودًا مع إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية واحتمالات خفض الفائدة في سبتمبر، بينما أبقت التوترات الإقليمية علاوة المخاطر مرتفعة على الأصول الأكثر حساسية للتدفقات قصيرة الأجل.
ورغم ذلك، حافظت الإصدارات الخليجية على قدرتها على جذب المستثمرين، وجاء الإصدار السعودي ضمن برنامج الصكوك الدولية بهيكلة الإجارة، موزعًا على شريحتين: 1.25 مليار دولار لأجل خمس سنوات تستحق في 2031، وملياري دولار لأجل عشر سنوات تستحق في 2036.
وسمح الطلب القوي بخفض الهامش بنحو 30 نقطة أساس عن المستويات الاسترشادية، ليستقر التسعير عند نحو 70 و80 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأمريكية على التوالي.
وقال سامر شقير: إن أهمية الإصدار لا تكمن في حجم التغطية وحده، بل في نوعية المستثمرين المشاركين، مضيفًا أن تغطية تتجاوز خمسة أضعاف في بيئة ترتفع فيها كلفة التمويل تعكس وجود طلب مؤسسي طويل الأجل، وليس مجرد سيولة تبحث عن فارق عائد مؤقت.

الخليج يعيد تدوير الفوائض داخل الاقتصاد
أوضح سامر شقير أن الفارق الأساسي بين الخليج وبعض الأسواق الناشئة يتمثل في قدرة رأس المال على التحول من تمويل قصير الأجل إلى استثمارات مرتبطة بالنمو.
فصندوق الاستثمارات العامة، واستراتيجية الاستثمار الوطنية، وبرامج رؤية 2030، خلقت طلبًا هيكليًّا على التمويل بالدولار والريال لتمويل عجز الموازنة، وإعادة تمويل الاستحقاقات، وتنفيذ مشروعات البنية التحتية والصناعة والسياحة والتقنية.
ولا يلغي ذلك المخاطر المرتبطة بارتفاع العجز وكلفة الاقتراض العالمية أو حساسية المالية الخليجية لأسعار النفط والفائدة الأمريكية، إلا أن الأسواق الخليجية أصبحت تجمع بين مزايا يصعب العثور عليها مجتمعة في كثير من الأسواق الناشئة، من استقرار العملة والاحتياطيات إلى قوة الصناديق السيادية وتطور الحوكمة والإدراج والطروحات.
وأشار شقير إلى أن الإقبال على الصكوك السعودية يعكس تحولًا في سلوك مديري الأصول؛ فالرغبة في المخاطرة لم تختف، لكن القناعة بانتهاء موجة التقلب لم تكتمل، ما يدفع المستثمرين إلى تفضيل أسماء خليجية ذات منحنيات ائتمانية أكثر وضوحًا.

مصر بين العائد المرتفع وهشاشة التدفقات
في مصر، يأخذ تدوير رأس المال شكلًا مختلفًا وأكثر محلية. وتعتزم «أفانز كابيتال» تأسيس «منارة 2» باستثمارات تبلغ 3 مليارات جنيه لدعم الشركات التصديرية وزيادة طاقتها الإنتاجية والتصديرية.
وتأتي الخطوة بعد تخارج مبكر من استثمار في شركة خدمات لوجستية حقق عائدًا بلغ 4.1 أضعاف رأس المال ومعدل عائد داخلي بنحو 92% خلال أقل من عامين، باستثمار بالجنيه وتخارج بالدولار.
ورأى سامر شقير أن هذا النموذج يكشف الفرق بين رأس المال الاستراتيجي ورأس المال الساخن؛ فصناديق الملكية الخاصة المحلية تعيد توجيه حصيلة التخارجات نحو قطاعات قادرة على توليد العملة الصعبة، بينما تظل أدوات الدين الحكومية جذابة بسبب عوائدها الحقيقية المرتفعة، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر مرتبطة بقصر آجال الاستحقاق.

تخارج جزئي لا يعني خروجًا جماعيًّا
تراجع الجنيه بنحو 1.7% خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع تسجيل مبيعات صافية للأجانب في بعض جلسات سوق الدين، وسط مخاوف جيوسياسية وإعادة ترتيب للمراكز الاستثمارية بعد مكاسب سابقة.
لكن حيازات غير المقيمين من أدوات الدين المصرية لا تزال مرتفعة مقارنة بدورات سابقة، كما ظهرت عمليات دخول جديدة عند مستويات الأسعار الأضعف، بما يشير إلى إعادة تموضع أكثر من كونه خروجًا جماعيًّا حتى الآن.
وحذر سامر شقير من اعتبار كل انخفاض في العملة أو كل جلسة صافي بيع مؤشرًا على انتهاء القصة الاستثمارية المصرية، موضحًا أن المستثمر المؤسسي يفرق بين الخروج الاضطراري الناتج عن شح الدولار، وإعادة التسعير الطبيعية في سوق أصبحت أكثر مرونة مع احتياطي أعلى ومركز أجنبي أكثر صلابة لدى البنوك.
وأضاف شقير أن جودة رأس المال أصبحت أهم من حجمه؛ فالتدفق المرتبط بالتصدير والتصنيع واللوجستيات أكثر استقرارًا من الأموال التي تدخل أدوات دين قصيرة الأجل بحثًا عن عائد مرتفع.

رأس المال يفضّل التدفقات التشغيلية
من منظور الاستثمار المؤسسي، يظل الائتمان السيادي الخليجي جزءًا من سلة التنويع لمن يبحث عن عائد أعلى من الأسواق المتقدمة مع مخاطر ائتمانية أكثر قابلية للنمذجة.
وفي الأسهم، تستفيد البنوك والبنية التحتية والطروحات من إعادة تدوير السيولة داخل الخليج، بينما تظل الأسهم المصرية أكثر حساسية لسعر الصرف وتكلفة التمويل وشهية الأجانب.
أما في الملكية الخاصة ورأس المال الجريء، فيتجه جزء من رأس المال الخليجي إلى أصول تشغيلية وإقليمية، بينما يركز رأس المال المصري بصورة أكبر على المصدرين والشركات القادرة على التسعير بالدولار أو الوصول إلى أسواق خارجية.
وأشار سامر شقير إلى أن هذا التحول يعكس معادلة 2026: ارتفاع كلفة التمويل يدفع المستثمرين إلى البحث عن إنتاجية وتدفقات نقدية حقيقية، بدلًا من الاعتماد على فروق أسعار الفائدة وحدها.

المخاطر تعيد رسم خريطة التخصيص
تظل المخاطر الجيوسياسية العامل الأكثر قدرة على تغيير شهية المخاطرة بصورة غير متكافئة بين الأسواق، كما أن أي تأجيل لمسار التيسير النقدي الأمريكي قد يرفع كلفة إعادة التمويل، خصوصًا للجهات التي تعتمد على الدين قصير الأجل.
وفي مصر، يمكن لأي ضعف في إيرادات التصدير أو تحويلات العاملين أو إيرادات قناة السويس أن يعيد الضغط سريعًا على معادلة العرض والطلب على الدولار.
في المقابل، تبدو الفرص أكثر وضوحًا في السعودية، حيث يظل التمويل المرتبط برؤية 2030 والتحول الصناعي والسياحي والتقني محورًا لتخصيص رأس المال طويل الأجل، وفي مصر، يرى شقير أن الفرصة الأقوى لا تكمن في مطاردة العائد الاسمي على أذون الخزانة، وإنما في الشركات التي تحول التمويل المحلي إلى قدرة تصديرية وتدفقات مستدامة بالعملة الصعبة.

رأس المال لا ينسحب.. بل يعيد تعريف وظيفته
يرى سامر شقير أن المشهد أمام صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول ومكاتب العائلات لا يمثل اختيارًا بسيطًا بين الخليج ومصر، بل إعادة تعريف لوظيفة رأس المال.
فالسعودية والخليج يقدمان قدرة متزايدة على جذب التمويل الدولي وإعادة تدويره داخل اقتصاد يسعى إلى توسيع قاعدته الإنتاجية، بينما تقدم مصر عوائد مرتفعة وفرص إعادة تسعير، لكنها تظل أكثر حساسية لحركة التدفقات القابلة للانعكاس.
وأكد سامر شقير أن الاستثمار خلال المرحلة المقبلة سيكافئ من يميز بين تمويل النمو وتمويل الاستحقاق، وبين الأصل الذي يعاد تدويره داخل منظومة رؤية 2030 والأصل الذي يعتمد على فارق فائدة مؤقت.
وأضاف شقير أن الفرص الأكثر صلابة في مصر ستظل مرتبطة بالقطاعات القادرة على توليد الدولار، لا بمطاردة العائد المحلي وحده.
ومع استمرار الاتجاهات الحالية، من المرجح أن يحافظ الطلب المؤسسي على الإصدارات الخليجية على قوته رغم ارتفاع كلفة التمويل عالميًّا، بينما ستظل مصر سوقًا تحتاج إلى إدارة نشطة لمخاطر سعر الصرف وآجال الدين.
واختتم سامر شقير رؤيته بالتأكيد على أن رأس المال لا يتحرك عشوائيًّا عكس التيار، بل يبحث عن الأسواق التي تُدار فيها المخاطر ضمن إطار واضح، ويتجنب البيئات التي تتحول فيها كل صدمة خارجية إلى إعادة تسعير فورية للمحفظة.