موقع النجم الاخباري

سامر شقير: سوق العمل الأمريكي يدخل مرحلة «البقاء القسري» ويُعيد رسم خريطة رأس المال والإنتاجية

الخميس 10 سبتمبر 2026 10:58 صـ 27 ربيع أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن سوق العمل الأمريكي دخل مرحلة جديدة يتراجع فيها الحراك الوظيفي وتتباطأ زيادات الأجور، بينما لا تزال الضغوط التضخمية قائمة، معتبرًا أن انخفاض الاستقالات لم يعد بالضرورة علامة على استقرار صحي، بل قد يعكس تقلص الخيارات المتاحة أمام العاملين.
وأوضح شقير أن السوق بات يتحرك وفق معادلة «توظيف ضعيف وتسريح ضعيف»، إذ تتجنب الشركات التوسع بقوة في الوظائف المكتبية والمهنية، في الوقت الذي يحجم فيه الموظفون عن المغادرة بسبب ضعف البدائل، مضيفًا أن هذا الوضع يضغط على القوة التفاوضية للعاملين، ويعيد تشكيل العلاقة بين العمل والإنتاجية وملكية الأصول.

الأجور والاستقالات يكشفان تحولًا هيكليًّا
أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل أن متوسط الأجر بالساعة في القطاع الخاص ارتفع بنحو 3.1% على أساس سنوي في أغسطس 2026، وهي أبطأ وتيرة في أكثر من خمس سنوات، بينما استقر معدل الاستقالات الطوعية قرب 1.9%، بعيدًا عن ذروة «الاستقالة الكبرى» التي اقتربت من 3% أواخر 2021.
وأشار سامر شقير إلى أن انخفاض الاستقالات يمكن أن يخفي تراجعًا في الخيارات المتاحة للموظفين، موضحًا أن العامل عندما يتوقف عن البحث عن فرصة أفضل بسبب ضعف السوق، تتراجع قدرته على تحسين دخله الحقيقي حتى مع بقاء البطالة منخفضة.
وتعزز ذلك دراسة اقتصادية حديثة أظهرت أن أكثر من اثنين من كل خمسة موظفين ظلوا في الشركات نفسها بين 2021 و2024 شهدوا انخفاضًا في أجورهم الحقيقية، بمتوسط تراجع يقترب من 9% لدى هذه الفئة.

الشركات أمام معادلة إنتاجية أكثر تعقيدًا
رأى سامر شقير أن التمايز بين القطاعات أصبح أكثر وضوحاً، إذ لا تزال وظائف البناء ومراكز البيانات وبعض أنشطة التصنيع تحظى بطلب نسبي، بينما تواجه الوظائف المكتبية والمهنية صعوبة أكبر في الحراك الوظيفي.
وبالنسبة إلى أسواق الأسهم، قال إن تباطؤ نمو تكلفة العمالة قد يدعم هوامش الشركات على المدى القصير، لكنه في المقابل يهدد الطلب الاستهلاكي إذا استمر تراجع القوة الشرائية.
وأضاف شقير أن المستثمرين يجب أن يميزوا بين الشركات التي تخفض تكاليفها نتيجة ارتفاع الإنتاجية، وتلك التي تفعل ذلك لأنها فقدت قدرتها على استقطاب المواهب، ففي الحالة الأولى يمكن أن تتحسن التقييمات، بينما قد تواجه الحالة الثانية تراجعًا في جودة الخدمات والميزة التنافسية.
وفي أسواق الدخل الثابت، يراقب المستثمرون ما إذا كان تباطؤ الأجور سيخفف الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي، أم أن استمرار التضخم الناتج عن صدمات العرض سيبقي السياسة النقدية مقيدة رغم فتور سوق العمل.
جيل زد ينقل المخاطرة من الوظيفة إلى الملكية
لم تعد إعادة تشكيل سوق العمل مرتبطة بالبقاء داخل الوظيفة فقط، بل بدأت تظهر عبر اتجاه متزايد نحو تأسيس الأعمال.
وأظهرت بيانات معهد بنك أوف أمريكا أن طلبات تأسيس الأعمال بين أفراد الجيل زد قفزت بنحو 66% على أساس سنوي في يونيو، متجاوزة وتيرة الأجيال الأكبر، رغم استمرار تفوق الأجيال الأقدم من حيث الحجم المطلق.
وأشار سامر شقير إلى أن انخفاض حواجز الدخول، مدعومًا بأدوات الذكاء الاصطناعي، يفتح المجال أمام مزيد من الشركات الفردية ونماذج «المؤسس الواحد»، لكنه في الوقت نفسه يرفع تفاوت الجودة بين المشروعات.
وأوضح شقير أن رأس المال المؤسسي لن يمول كل طلب تأسيس، بل سيبحث عن الشركات القابلة للتوسع، والبيانات القابلة للقياس، والقدرة على التحول من نشاط جانبي إلى أصل يولد تدفقات نقدية.

السعودية أمام درس أميركي مهم
قال سامر شقير: إن التجربة الأمريكية تحمل دلالات مهمة لصناديق المنطقة والمستثمرين في السعودية، خصوصًا مع استمرار التركيز على تنويع الاقتصاد وجذب المواهب ضمن رؤية 2030.
وأوضح شقير أن سوق العمل قد يظهر بطالة منخفضة مع تآكل الأجور الحقيقية، بما يضغط على الاستهلاك وجودة رأس المال البشري، في حين يمكن لريادة الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تمتص جزءًا من الإحباط الوظيفي إذا توافرت البيئة التنظيمية والتمويل المبكر.
وأضاف أن الصناديق السيادية والمستثمرين المؤسسيين في التقنية والخدمات المالية والرعاية الصحية والسياحة والصناعة يحتاجون إلى نماذج حوكمة تربط الإنتاجية بالتعويض والترقية، لأن ضعف هذه العلاقة قد يدفع الكفاءات إلى العمل المستقل أو إلى أسواق أخرى.

رأس المال يبحث عن إنتاجية أعلى
رأى سامر شقير أن المستفيدين المحتملين من التحول يشملون مزودي أدوات الذكاء الاصطناعي، ومنصات المدفوعات للشركات الصغيرة، وخدمات المحاسبة والامتثال السحابية، ومنصات العمل الحر عالية الجودة، إلى جانب شركات الأسهم الخاصة التي ترفع إنتاجية الموظف الواحد بدلًا من الاعتماد على زيادة الرواتب فقط لجذب المواهب.
في المقابل، قد تواجه شركات التجزئة والخدمات المعتمدة على الطبقة الوسطى ضغوطًا إذا استمر ضعف الأجور الحقيقية، كما قد تتعرض العقارات المكتبية لضغط هيكلي مع استمرار فتور التوظيف المكتبي وتوسع العمل المستقل.
واختتم سامر شقير بأن القضية ليست «كرهًا للوظيفة»، بل إعادة تسعير لعائد العمل داخل الشركات الكبيرة، فمع انخفاض الحراك الوظيفي، يتراجع نمو الأجور ويتغير سلوك الاستهلاك، بينما يعاد توجيه جزء من الطاقة البشرية نحو تأسيس الأعمال.
وأكد شقير أن رأس المال في المرحلة المقبلة سيبحث عن البيئات التي تربط الإنتاجية بالمكافأة، سواء داخل الشركات المدرجة أو عبر منظومات ريادة الأعمال، مشيرًا إلى أن الفائزين المحتملين في اقتصاد 2026 لن يكونوا بالضرورة من يحتفظون بالموظفين لفترات أطول، بل من يحولون وقت العامل إلى نمو حقيقي في الدخل والكفاءة والقيمة المؤسسية.