موقع النجم الاخباري

لماذا يصبح النجاح السابق أخطر الأصول؟.. سامر شقير يجيب

الأحد 4 أكتوبر 2026 12:01 مـ 21 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قد تكون أخطر نقطة ضعف في الاقتصاد هي الأصل الذي أثبت نجاحه لفترة طويلة.

هذه ليست مفارقة نظرية، الأصل الناجح يجذب رأس المال، ويحصل على حماية أكبر، وتُبنى حوله مؤسسات وخطط وموازنات، ثم يصبح من الصعب على صاحب القرار أن يتخلى عن جزء من أهميته حتى عندما يبدأ العالم من حوله في التغير.

في السعودية، النفط هو المثال الأكثر وضوحًا.

ففي 2025 بلغت إيرادات الدولة نحو 1.11 تريليون ريال، مقابل نفقات قاربت 1.39 تريليون ريال، بعجز بلغ نحو 276.6 مليار ريال. وبلغت الإيرادات النفطية 606.5 مليار ريال، أي ما يزيد قليلًا على 54% من إجمالي الإيرادات، مقابل نحو 505.8 مليار ريال من الإيرادات غير النفطية.

المفارقة أن الاقتصاد السعودي نفسه أصبح أكثر تنوعًا بكثير مما توحي به هذه الأرقام المالية. النشاط غير النفطي بات يمثل نحو 55% من الناتج، لكن هذا الاتساع لم ينعكس بالسرعة نفسها على خزينة الدولة.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

قد يتغير الاقتصاد أسرع من قدرة الميزانية على تغيير مصدر دخلها.

النجاح الذي يتحول إلى تركّز
ليس المطلوب أن تتعامل السعودية مع النفط باعتباره أصلًا انتهى أو قطاعًا يجب التخلص منه.

على العكس، استمرار قوة النفط يمثل ميزة ضخمة، خصوصًا لدولة ما زالت تنفق بكثافة على البنية التحتية والمشروعات الكبرى والتحول الاقتصادي.

لكن الميزة تتحول إلى مخاطرة عندما تصبح قدرة الميزانية على تمويل أهدافها مرتبطة بدرجة كبيرة باستمرار الظروف المواتية لهذا الأصل.

كلما ارتفعت أهمية النفط في الإيرادات، أصبح انخفاض سعره أو تراجع الطلب عليه أكثر تأثيرًا في القرارات المالية.

وهذا هو الفرق بين الاعتماد على أصل ناجح والاعتماد المفرط عليه.

الأول قرار اقتصادي.

أما الثاني فهو خطر تركّز.

المشكلة ليست في النفط بل في صعوبة استبدال اقتصاده، يمكن النظر إلى التجارب التاريخية للشركات الكبرى لفهم هذه المعضلة.

الشركة لا تفشل دائمًا لأنها لم ترَ التغيير. أحيانًا ترى التغيير بوضوح، لكنها لا تستطيع التخلي عن النموذج الذي يدفع الفواتير اليوم.

كوداك مثال شهير على ذلك. الشركة امتلكت المعرفة المتعلقة بالتصوير الرقمي في وقت مبكر، لكنها كانت تعمل داخل اقتصاد مربح قائم على الأفلام والطباعة. الانتقال إلى نموذج رقمي لم يكن مجرد تبني تقنية جديدة، بل كان يعني التضحية بجزء من الاقتصاد الذي صنع نجاحها.

الأمر نفسه ظهر، بأشكال مختلفة، لدى شركات مثل نوكيا وبلاكبيري وبلوكباستر.

القاسم المشترك ليس أن الإدارة لم تكن تعرف بوجود البديل.

المشكلة أن البديل كان في البداية أقل جاذبية اقتصاديًا من الأصل القائم.

وهذه هي النقطة التي يمكن نقلها من عالم الشركات إلى اقتصاد الدول.

الميزانية تشبه العميل الحالي.

إذا كان الأصل القائم يمول أكثر من نصف الإيرادات، فإن الحفاظ عليه يصبح قرارًا عقلانيًا. لكن إذا أدت هذه العقلانية إلى تأجيل بناء مصادر دخل أخرى، فقد تتحول الحماية من ميزة إلى نقطة ضعف.

لا تحتاج السعودية إلى قتل النفط
الخطأ سيكون في تفسير التنويع باعتباره محاولة لإحلال مصدر جديد محل النفط بسرعة.

هذا ليس الهدف الاقتصادي المنطقي.

الهدف هو أن يصبح النفط مصدر قوة، لا مصدرًا لا يمكن للميزانية أن تعمل بدونه.

الفارق كبير.

إذا ارتفعت إيرادات قطاعات أخرى، وأصبحت قادرة على تمويل جزء متزايد من الإنفاق العام، فإن تقلب أسعار النفط يصبح أقل قدرة على تعطيل الخطط الحكومية.

وبذلك لا تحتاج الدولة إلى التخلي عن الأصل الأكثر ربحية.

يكفي أن تتوقف عن جعله الأصل الذي يحمل العبء الأكبر وحده.

التعدين اختبار أكثر صعوبة مما يبدو
قطاع التعدين يقدم مثالًا واضحًا على هذا النوع من التحول.

السعودية تمتلك قاعدة ضخمة من الموارد المعدنية، وتعمل على توسيع إنتاج الفوسفات والذهب والألمنيوم وغيرها من المعادن، إلى جانب تطوير عمليات المعالجة وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.

لكن الإعلان عن حجم الموارد أو قيمة الاستثمارات المحتملة لا يعني أن الاقتصاد حصل بالفعل على مصدر دخل جديد.

هناك مسافة طويلة بين اكتشاف مورد، وتمويل مشروع، وبناء منشأة، والوصول إلى الإنتاج التجاري، ثم تصدير المنتج وتحقيق هامش يسمح باسترداد رأس المال.

وهذه المسافة هي التي يجب أن يقيس عندها نجاح التنويع.

فإذا أعلنت المملكة عن استثمارات بمليارات الدولارات في التعدين، فإن السؤال ليس كم تبلغ قيمة الموارد تحت الأرض.

السؤال هو: كم ريالًا ستصل به هذه الموارد إلى الخزينة والاقتصاد كل عام بعد اكتمال المشروعات؟

الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الإمكان الاقتصادي والنتيجة المالية.

الناتج غير النفطي لا يكفي وحده
أحد أكثر الالتباسات شيوعًا في قراءة الاقتصاد السعودي هو الخلط بين نمو النشاط غير النفطي وتحسن إيرادات الدولة غير النفطية.

يمكن لقطاع خاص غير نفطي أن يتوسع بقوة، وتزداد مساهمته في الناتج، بينما لا تتحرك الإيرادات العامة بالسرعة نفسها.

وهذا طبيعي إلى حد ما.

الناتج يقيس حجم النشاط الاقتصادي، بينما الميزانية تقيس قدرة الدولة على تحويل جزء من هذا النشاط إلى إيرادات.

لذلك فإن وصول الاقتصاد غير النفطي إلى أكثر من نصف الناتج لا يعني أن الميزانية أصبحت مستقلة عن النفط.

والأرقام المالية لعام 2025 تقدم تذكيرًا واضحًا بهذه الفجوة.

الإيرادات النفطية ظلت أكبر مصدر منفرد للدخل العام، بينما زادت الإيرادات غير النفطية بنسبة محدودة مقارنة بالعام السابق.

هذه هي الفجوة التي يجب أن يركز عليها التنويع.

ليس المطلوب فقط إنتاج المزيد خارج النفط، وإنما تحويل جزء أكبر من هذا الإنتاج إلى تدفقات نقدية مستقرة ومتكررة للدولة والاقتصاد.

الربع الواحد يكشف ما تخفيه الصورة السنوية
الأرقام الفصلية تجعل المسألة أكثر وضوحًا.

في الربع الثاني من 2026، تجاوزت الإيرادات النفطية 185 مليار ريال، مقابل نحو 154 مليار ريال للإيرادات غير النفطية ضمن إجمالي إيرادات فصلية بلغ نحو 339 مليار ريال.

أي أن النفط ظل المصدر الأكبر حتى في اقتصاد أصبح النشاط غير النفطي يمثل فيه الجزء الأكبر من الناتج.

هذه المقارنة مهمة لأنها تفصل بين قصتين مختلفتين.

القصة الأولى هي نجاح الأنشطة غير النفطية في توسيع الاقتصاد.

والثانية هي قدرة هذه الأنشطة على تمويل الدولة.

قد تنجح الأولى سنوات قبل أن تلحق بها الثانية.

ولهذا فإن الحكم على التنويع من خلال نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج فقط يعطي صورة ناقصة.

الإنفاق الرأسمالي هو الاختبار الحقيقي
التنويع يحتاج إلى إنفاق.

المشكلة أن الإنفاق نفسه يجب أن يكون قابلًا للاستمرار.

بلغ الإنفاق الرأسمالي في 2025 نحو 168.5 مليار ريال، بينما وصلت خدمة الدين إلى نحو 54.5 مليار ريال.

مع توسع المشروعات، ترتفع أهمية السؤال عن العائد الاقتصادي لكل ريال يتم إنفاقه.

ليس كل مشروع تنويع ناجحًا لمجرد أنه ينتمي إلى قطاع غير نفطي.

مشروع التعدين الذي لا يصل إلى إنتاج تنافسي لا يحل مشكلة الاعتماد على النفط. والمشروع الصناعي الذي يعتمد على الطلب المحلي وحده لا يخلق بالضرورة مصدرًا جديدًا للعملة الأجنبية. والقطاع الذي يحتاج إلى دعم مستمر من الميزانية قد يغير شكل الإنفاق من دون أن يغير جوهر الاعتماد المالي.

التنويع الحقيقي يحتاج إلى قطاعات تستطيع الوقوف على قدميها، ثم التوسع والتصدير وتحقيق إيرادات متكررة.

النرويج لا تقدم وصفة جاهزة
النرويج مثال مفيد، لكن ليس باعتبارها نموذجًا يمكن نسخه حرفيًا.

الدولة لم تتخل عن النفط، بل تعاملت مع عائداته باعتبارها ثروة ينبغي تحويل جزء منها إلى أصل مالي طويل الأجل.

الفكرة الأساسية ليست تقليد المؤسسات النرويجية، وإنما فهم المبدأ: الإيراد الناتج عن مورد ناضب يمكن تحويله إلى قدرة مالية تستمر بعد تغير ظروف المورد نفسه.

وهذا يختلف عن استخدام الإيرادات الحالية لتمويل توسع لا ينتج في النهاية تدفقات مستقلة.

السؤال بالنسبة للسعودية هو ما إذا كان جزء متزايد من قوة النفط يمكن تحويله إلى قطاعات ومؤسسات ومشروعات قادرة على توليد دخل حتى عندما تتغير دورة النفط.

إذا حدث ذلك، يصبح النفط وسيلة لبناء اقتصاد أقل تركّزًا.

أما إذا ظل تمويل البدائل يعتمد بصورة أساسية على الإيراد نفسه الذي يفترض أن تحل محله، فإن درجة الاعتماد لم تتغير فعليًا.

صندوق الاستثمارات أمام اختبار مختلف
صندوق الاستثمارات العامة يقع في قلب هذه المعادلة.

الصندوق لا يعمل فقط كمستثمر يبحث عن العائد، وإنما كأداة لإعادة توزيع رأس المال داخل الاقتصاد السعودي وبناء قطاعات جديدة.

وهذا يمنحه دورًا أكبر من مجرد تحقيق أرباح استثمارية.

لكن هذا الدور يجعل الانضباط الرأسمالي أكثر أهمية.

إذا كان مشروع ما يحتاج إلى رأسمال ضخم، ويستغرق سنوات للوصول إلى الإيرادات، ثم لا يملك مسارًا واضحًا نحو التدفقات النقدية أو التصدير، فإن مجرد ارتباطه بقطاع مستقبلي لا يجعله تلقائيًا استثمارًا ناجحًا.

لذلك فإن مراجعة المشاريع الضخمة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق يمكن أن تكون جزءًا من التنويع نفسه، لا تراجعًا عنه.

الاقتصاد المتنوع لا يحتاج إلى عشرات المشروعات العملاقة لمجرد إثبات التنوع.

يحتاج إلى عدد كافٍ من الأنشطة القادرة على تحقيق عائد اقتصادي حقيقي، ثم التوسع بصورة مستقلة.

كيف نعرف أن التنويع نجح؟
هناك طريقة أبسط من تتبع الخطابات والاستراتيجيات.

انظر إلى الإيرادات.

إذا ارتفعت حصة الإيرادات غير النفطية عامًا بعد عام، ليس كنسبة فقط بل بالقيمة الفعلية وبوتيرة تفوق نمو الإنفاق، فهذه علامة مهمة.

انظر أيضًا إلى الصادرات.

قطاع جديد يبيع داخل السوق المحلية فقط قد يوسع النشاط الاقتصادي، لكنه لا يخفف بالضرورة الضغط الخارجي المرتبط بالعملة والطاقة.

أما القطاع الذي ينتج سلعة أو خدمة تنافسية في الأسواق الخارجية، فإنه يضيف مصدرًا جديدًا للدخل والعملات الأجنبية.

ثم انظر إلى الإنتاج الفعلي.

في التعدين مثلًا، لا يكفي إعلان حجم الموارد أو قيمة الاستثمارات المخطط لها. المهم هو عدد الأطنان المنتجة والمصدرة، وهوامشها، وقدرتها على تغطية تكلفة رأس المال.

وأخيرًا، يجب مراقبة تكلفة تمويل التحول نفسه.

فإذا أصبحت خدمة الدين والإنفاق الرأسمالي يضغطان على الميزانية بدرجة تجعل الدولة أكثر حساسية لسعر النفط، فإن عملية التنويع تكون قد خلقت مفارقة: اقتصادًا أكثر تنوعًا، لكن ميزانية لا تزال شديدة الحساسية لدورة الطاقة.

النجاح السابق ليس عدوًا
المطلوب ليس معاقبة النفط لأنه نجح.

بل على العكس، نجاح النفط هو ما يمنح السعودية فرصة نادرة لإعادة توزيع رأس المال قبل أن تضطر إلى ذلك تحت ضغط أزمة.

الدولة التي تملك أصلًا مربحًا ولديها فائض من القدرة الاستثمارية تستطيع أن تمول البدائل وهي في وضع أقوى.

المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الأصل إلى سبب لتأجيل البدائل.

ولهذا فإن نجاح التنويع لا يعني أن النفط تراجع إلى الهامش.

قد يكون النجاح الحقيقي هو أن يبقى النفط قويًا، بينما تصبح الميزانية أقل اعتمادًا عليه.

وهذه نقطة مختلفة تمامًا.

الاختبار ليس اختفاء النفط بل فقدان مركزيته
لن يكون معيار نجاح التحول الاقتصادي أن تتوقف السعودية عن إنتاج النفط، أو أن تختفي الإيرادات النفطية من الميزانية.

المعيار الأكثر واقعية هو أن يتراجع وزن النفط في تمويل الدولة حتى يصبح انخفاض سعره صدمة يمكن إدارتها، لا حدثًا يعيد رسم الموازنة بأكملها.

إذا ارتفعت الإيرادات غير النفطية بسرعة أكبر من نموها الحالي، وتحولت الاستثمارات التعدينية والصناعية إلى إنتاج وتصدير، ونجحت قطاعات الخدمات في خلق تدفقات نقدية مستقرة، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على تحمل دورات الطاقة.

أما إذا استمر الناتج غير النفطي في النمو بينما تظل الخزينة مرتبطة بدرجة كبيرة بإيرادات النفط، فإن التنويع يكون قد غيّر شكل الاقتصاد من دون أن يغير نقطة ضعفه المالية الأساسية.

وهنا تكمن المفارقة.

الأصل الذي نجح في تمويل الماضي قد يكون أفضل مصدر لتمويل المستقبل، لكنه لا ينبغي أن يظل المصدر الذي يتوقف عليه المستقبل بالكامل.

النفط ليس المشكلة، المشكلة أن يصبح نجاحه سببًا لعدم بناء بديل.

وفي هذه الحالة، فإن أخطر أصل في الاقتصاد ليس الأصل الذي يفشل، وإنما الأصل الذي ينجح لفترة طويلة إلى الدرجة التي تجعل الجميع يخافون من الاستغناء عن أي جزء من دوره.