سامر شقير: النفط وأسواق الخليج بين صدمة الحرب واختبار التاريخ
لا يكفي ارتفاع أسعار النفط وحده لإثبات أن أسواق الخليج تعيش نسخة جديدة من أزمات الطاقة التاريخية، فالسوق بعد اندلاع الحرب لا يتحرك بالضرورة وفق العلاقة التقليدية بين الخام والأسهم، بل يعيد تسعير المخاطر عبر قنوات مختلفة، بعضها مرتبط بتكلفة النقل والإمدادات، وبعضها الآخر بجغرافيا التجارة وتوقعات المستثمرين.
علاوة الممر تغير قواعد اللعبة
في قراءة العلاقة بين النفط وأسواق الأسهم الخليجية، يجب الفصل بين أثر علاوة المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية وبين الجزء الذي يعكس حركة السوق نفسها، المشكلة تظهر عندما يجري دمج الفترتين السابقة واللاحقة للحرب في معامل واحد، لأن سلوك الأصول تغير بصورة واضحة.
قبل الحرب، كان ارتفاع النفط يمكن أن يرتبط في أحيان كثيرة بتحسن الإيرادات والتوقعات الاقتصادية في الدول المصدرة، لكن خلال الأسابيع الأولى من الصدمة الحالية، انقلب ارتباط النفط بمؤشرات الأسهم إلى السالب في أربع من ست أسواق خليجية، وهو ما يختلف عن النمط الذي ظهر في 2022.
هذه المفارقة تجعل المقارنة التاريخية بحاجة إلى قدر أكبر من الحذر، فالمعامل المستخرج من البيانات السابقة للحرب لا ينبغي إسقاطه آليا على مرحلة ما بعد الصدمة، لأن طبيعة المخاطر نفسها تغيرت.
برنت بين 80 و110 دولارًا
يبقى التشبيه التاريخي أكثر تماسكًا إذا استقر خام برنت ضمن نطاق يتراوح بين 80 و110 دولارات، وهو النطاق الذي رجحته تقديرات ستيت ستريت في أواخر سبتمبر.
الأهم من مستوى الخام هو ما يحدث في قطاع التكرير، فإذا ظل هامش التكرير عند مستويات تقارب ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل الحرب، بينما ارتفع سعر الخام بنحو الربع فقط، فإن السوق لا يقدم مجرد قصة ارتفاع في أسعار الطاقة.
في هذه الحالة، يصبح اتساع الفارق بين الخام والمنتجات النفطية مؤشرًا على اختناقات في منظومة الإمداد والتكرير والنقل، أما تراجع الأسهم الخليجية، فلا يمكن اختزاله في فكرة أن أسعار الأصول أصبحت رخيصة تلقائيًّا بسبب ارتفاع النفط.
ماذا لو انفتح الممر؟
الصورة تتغير جذريًّا إذا عادت حركة التجارة إلى مساراتها الطبيعية وبدأت التدفقات النفطية في استعادة مستوياتها المعتادة، بعض تقديرات جي بي مورجان تربط انتهاء الصدمة بسرعة بعودة الأسعار إلى نطاق 50–60 دولارًا للبرميل.
إذا تحقق هذا السيناريو، فإن المستثمر الذي باع أسهم الطاقة عندما بلغ النفط 106 دولارات قد يكون التقط قمة القصة الاستثمارية، لا بداية دورة طويلة من المكاسب.
وهنا تظهر خطورة إسقاط عام 1973 بالكامل على عام 2026، فالتشبيه التاريخي يمكن أن يكون مفيدًا في فهم الصدمة الأولى، لكنه يصبح مضللًا إذا استمر استخدامه بعد زوال العامل الذي صنعها.
الاستثمار يحتاج إلى قراءة ما وراء السعر
المسألة الأساسية ليست ما إذا كان النفط مرتفعًا أو منخفضًا، وإنما لماذا ارتفع، وكم من الزيادة يمكن أن يستمر، وما إذا كانت الأسواق قد بدأت بالفعل في تسعير انتهاء الصدمة.
لذلك، فإن قراءة أسواق الخليج خلال المرحلة المقبلة تتطلب الفصل بين سعر الخام، وتكلفة النقل، وهوامش التكرير، وحركة رؤوس الأموال، ومستوى المخاطر الجيوسياسية.
الدرس الأهم للمستثمر هو أن السعر قد يخبرنا بما حدث، لكنه لا يخبرنا وحده بما سيحدث، وفي أسواق تتغير فيها طرق التجارة وممرات الطاقة بسرعة، قد تكون جغرافيا المخاطر أكثر أهمية من ارتفاع برميل النفط نفسه.
