سامر شقير: من التعثر إلى المليارات.. أرسنال يقدم نموذجاً جديداً للاستثمار الرياضي
لم تعد القيمة الاستثمارية للأندية الرياضية تُقاس بحجم الإنفاق على اللاعبين أو قيمة الصفقات الكبرى وحدها، بل بقدرة الإدارة على تحويل المواهب والموارد المالية إلى منظومة متكاملة تحقق نتائج رياضية وإيرادات مستدامة.
وتقدم تجربة أرسنال الإنجليزي تحت قيادة ميكل أرتيتا نموذجاً لافتاً في هذا السياق، بعدما انتقل النادي من مرحلة التراجع وعدم الاستقرار إلى المنافسة على الألقاب وتعزيز مكانته التجارية.
وقال سامر شقير، رائد الاستثمار، إن تجربة أرسنال تقدم درساً مهماً للمستثمرين في القطاع الرياضي، مفاده أن بناء القيمة يبدأ من داخل المؤسسة، عبر إصلاح الثقافة التنظيمية وتوحيد الأهداف وتحسين كفاءة الإدارة، قبل أن ينعكس ذلك على الأداء الرياضي والإيرادات والتقييم السوقي.
وأضاف سامر شقير أن قصة أرتيتا توضح كيف يمكن للقيادة أن تعيد توجيه مؤسسة رياضية تواجه تحديات متراكمة، مشيرًا إلى أن الاستثمار الناجح لا يقتصر على ضخ الأموال، بل يتطلب بناء بيئة عمل قادرة على تحويل الموارد المتاحة إلى نتائج قابلة للاستمرار.
من أزمة داخلية إلى مشروع طويل الأجل
عندما تولى أرتيتا تدريب أرسنال في ديسمبر 2019، كان النادي يعاني تراجع النتائج والانقسامات الداخلية، في وقت احتاج فيه إلى إعادة بناء تتجاوز التغييرات التكتيكية. وبدأ المدرب الإسباني مهمته بمحاولة تغيير ثقافة العمل وتعزيز التعاون بين مختلف مكونات المؤسسة، من الإدارة والموظفين إلى اللاعبين.
وأوضح سامر شقير أن هذه الخطوة تمثل جوهر الإدارة الاستثمارية الفعالة، لأن ضعف التنسيق الداخلي قد يهدر جزءاً كبيراً من قيمة الأصول مهما ارتفعت الاستثمارات الموجهة إليها.
وأشار إلى أن رحلة أرسنال لم تحقق نتائج فورية، إذ أنهى الفريق موسمين متتاليين في المركز الثامن قبل أن يبدأ مساراً تصاعدياً نحو المراكز المتقدمة، وصولاً إلى المنافسة المستمرة على البطولات المحلية والأوروبية، وفقاً للتسلسل الزمني الوارد في التقرير.
وأكد أن هذا المسار يبرز أهمية رأس المال الصبور، الذي يمنح الإدارة الوقت الكافي لتنفيذ خططها، مع ضرورة إخضاع النتائج لمراجعة مستمرة تضمن عدم تحول الصبر إلى إنفاق غير منضبط.
الأداء الرياضي يتحول إلى قيمة تجارية
بحسب البيانات المالية الواردة في التقرير، سجل أرسنال إيرادات بلغت 691 مليون جنيه إسترليني في السنة المالية المنتهية في 31 مايو 2025، مقارنة بنحو 616.6 مليون جنيه في العام السابق.
وارتفعت الإيرادات التجارية إلى 263.2 مليون جنيه، فيما بلغت إيرادات البث 272.8 مليون جنيه، ووصلت إيرادات أيام المباريات إلى نحو 154 مليون جنيه.
كما تقلصت الخسارة قبل الضرائب إلى نحو 1.4 مليون جنيه، مع استفادة النادي من نمو مصادر الدخل وأرباح بيع اللاعبين.
وقال سامر شقير إن هذه الأرقام توضح العلاقة بين الأداء الرياضي والقيمة الاقتصادية، حيث تساعد النتائج القوية على تعزيز الجاذبية التجارية للنادي، وتحسين فرص الحصول على عقود رعاية أكبر، وزيادة الإيرادات المرتبطة بالمباريات والبطولات.
وأضاف أن تقديرات فوربس التي أشار إليها التقرير، والبالغة نحو 5.4 مليار دولار لقيمة أرسنال في مايو 2026، تعكس أهمية التوقعات المستقبلية للنمو التجاري والرياضي في تقييم الأصول، مع ضرورة التمييز بين القيمة التقديرية والقيمة التي يمكن تحقيقها فعلياً عند البيع.
وشدد على أن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة ارتفاع الأرباح بالمعدل نفسه، خصوصاً في ظل زيادة الأجور وتكاليف التعاقدات والاستثمار في الفريق، وهو ما يجعل الانضباط المالي عاملاً حاسماً في حماية العوائد.
دروس للمستثمرين الخليجيين ورؤية 2030
وأشار سامر شقير إلى أن تجربة أرسنال تحمل دلالات مهمة للاستثمارات الرياضية الخليجية، سواء في الأندية الأوروبية أو في تطوير منظومة كرة القدم السعودية ضمن مستهدفات رؤية 2030.
وأوضح أن تجربة نيوكاسل يونايتد، الذي استحوذ عليه صندوق الاستثمارات العامة السعودي عام 2021، تبرز أهمية الجمع بين الدعم المالي وتطوير الإيرادات التجارية وتحسين الإدارة والحوكمة، خاصة في ظل القيود التنظيمية التي تحد من قدرة الأندية الأوروبية على الإنفاق المفتوح.
وأضاف أن الأندية السعودية أمام فرصة لبناء نماذج أعمال أكثر استدامة من خلال تطوير حقوق الرعاية والتسويق وتجربة الجماهير والأكاديميات والبنية التحتية، إلى جانب الاستثمار في المواهب المحلية ورفع كفاءة التشغيل.
وأكد أن الاعتماد على الصفقات الكبرى وحدها قد يمنح النادي زخماً مؤقتاً، لكنه لا يضمن تكوين أصل رياضي قادر على تحقيق عوائد مستقرة على المدى الطويل.
الحوكمة والانضباط المالي يحميان العائد
ولفت سامر شقير إلى أن نجاح النموذج الذي اتبعه أرسنال يظل مرتبطاً باستمرار النتائج الرياضية وقدرة الإدارة على السيطرة على التكاليف والحفاظ على الكفاءات، محذراً من أن تراجع الأداء أو ارتفاع فاتورة الأجور بصورة غير متناسبة قد يضغط على الأرباح والتقييمات.
وأشار إلى أن المستثمرين مطالبون بمتابعة نمو الإيرادات التجارية، ونسبة الأجور إلى الإيرادات، والتقدم في البطولات، وقدرة النادي على توليد تدفقات نقدية مستقرة، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة قيمة اللاعبين أو حجم الإنفاق السنوي.
واختتم سامر شقير تصريحه بالتأكيد على أن تجربة أرسنال تقدم قاعدة مهمة للاستثمار الرياضي: القيمة المستدامة لا تُبنى بالإنفاق وحده، بل بقدرة الإدارة على تحويل رأس المال إلى ثقافة مؤسسية قوية، وأداء تنافسي، وإيرادات متنامية، وحوكمة تحمي الأصول على المدى الطويل.
