موقع النجم الاخباري

سامر شقير يكتب: شتاء أوروبا يختبر أمن الطاقة

الأحد 25 أكتوبر 2026 12:13 مـ 13 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير يكتب: شتاء أوروبا يختبر أمن الطاقة

لم يعد أمن الطاقة في أوروبا مجرد ملف تشغيلي يتعلق بتأمين الغاز خلال أشهر الشتاء، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في تسعير الأصول، وتقييم المخاطر الجيوسياسية، وتوجيه رؤوس الأموال المؤسسية، فمع تراجع الإنتاج المحلي البريطاني وتصاعد اضطرابات الإمدادات الدولية، تتزايد أهمية البنية التحتية القادرة على ضمان تدفق الطاقة، حتى في ظل ارتفاع تكلفتها.
وتكشف توقعات الشتاء البريطاني لعام 2026 /2027 عن معادلة تستحق اهتمام المستثمرين: الطلب اليومي على الغاز قد يرتفع خلال فترات الذروة، بينما يستمر تراجع الإنتاج المحلي، ما يدفع المملكة المتحدة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الواردات والغاز الطبيعي المسال، وفي الوقت نفسه، تظل قدرة الإمداد الإجمالية كافية وفق تقديرات مشغل الشبكة البريطانية، وهو ما يعني أن التحدي لا يتمثل بالضرورة في نقص وشيك، بل في تكلفة الحفاظ على هامش أمان يسمح للنظام بمواجهة الصدمات المحتملة.

أمن الإمدادات يتحول إلى علاوة استثمارية
تتوقع شركة «ناشونال غاز» أن تصل ذروة الطلب على الغاز في بريطانيا إلى 493 مليون متر مكعب يوميًّا خلال الشتاء، بزيادة تقارب 2% عن العام السابق، مقابل قدرة إمداد تصل إلى 592 مليون متر مكعب يوميًّا، لكن هذه الأرقام لا تلغي الضغوط الهيكلية؛ إذ يُرجح تراجع الإنتاج من الجرف القاري البريطاني بنحو 5%، في حين يُتوقع ارتفاع واردات الغاز الطبيعي المسال بنحو 6%.
وتعكس هذه المعادلة تحولًا في طبيعة المخاطر، فحتى عندما تكون الكميات المتاحة كافية لتلبية الطلب المتوقع، فإن تكلفة تأمين الإمدادات الإضافية، والحفاظ على خطوط الربط مع الأسواق الأوروبية، والاستعداد لتعطل منشأة رئيسية، تصبح عناصر مؤثرة في الاقتصاد وفي قرارات الاستثمار.
من وجهة نظري، لا تسعّر الأسواق الطاقة وفق حجم المعروض وحده، بل وفق مدى موثوقيته والقدرة على الوصول إليه في اللحظة التي تشتد فيها الحاجة، ولهذا قد تكتسب الأصول التي توفر مرونة حقيقية في الإمدادات قيمة استراتيجية تتجاوز عوائدها التشغيلية المباشرة.

الجغرافيا السياسية تنتقل إلى فواتير الطاقة
تزداد حساسية الأسواق الأوروبية مع انخفاض مستويات تخزين الغاز مقارنة بالعام السابق، واضطراب تدفقات الغاز الطبيعي المسال من الخليج، والمخاطر التي تواجه حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وفي مثل هذه الظروف، لا تتحرك الأسعار استجابة للطلب الموسمي فقط، بل تعكس أيضًا المنافسة العالمية على الشحنات المتاحة، واحتمالات تعطل الإمدادات، والوقت اللازم لتعويض أي نقص.
وتظهر انعكاسات هذه الضغوط بوضوح في بريطانيا، حيث ارتفعت أسعار الغاز والكهرباء بالجملة بقوة منذ تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، ولأن الغاز يؤدي دورًا مهمًا في تحديد أسعار الكهرباء، فإن زيادة تكلفته تنتقل إلى المستهلكين والشركات، وتضيف ضغوطًا جديدة إلى تكلفة المعيشة والإنتاج.
وهنا تتسع دائرة المخاطر لتشمل قطاعات تتجاوز شركات الطاقة نفسها، فالصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة قد تواجه انكماشًا في هوامش الربح، بينما قد تتأثر توقعات التضخم ومساحة المناورة المتاحة أمام السياسة النقدية، وبذلك، يصبح سعر الغاز مؤشرًا مهمًا عند تقييم الشركات الصناعية، وليس مجرد متغير يخص قطاع الطاقة.

أين تتشكل الفرص الاستثمارية؟
من منظور تخصيص رأس المال، ينبغي التمييز بين الشركات التي تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة على المدى القصير، وتلك التي تمتلك قدرة مستدامة على توليد التدفقات النقدية عبر دورات السوق المختلفة.
قد تستفيد بعض شركات إنتاج الغاز ومشغلي البنية التحتية من ارتفاع الأسعار والطلب على خدمات النقل والاستيراد والتخزين، لكن ارتفاع الأسعار وحده لا يكفي لتبرير الاستثمار؛ إذ يجب تقييم طبيعة العقود، والتعرض لتقلبات السوق، والاحتياجات الرأسمالية، ومستويات المديونية، وقدرة الأصول على تحقيق عوائد تفوق تكلفة رأس المال.
في المقابل، تواجه الشركات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة اختبارًا أكثر صعوبة، فالشركة التي لا تستطيع تمرير زيادة تكلفة الغاز إلى عملائها قد تشهد تراجعًا في هوامشها التشغيلية وتدفقاتها النقدية، حتى لو ظلت مستويات الطلب على منتجاتها مستقرة، ولذلك، فإن تحليل أثر الطاقة في الأرباح يجب أن يكون جزءًا أساسيًّا من تقييم هذه الشركات، لا مجرد افتراض جانبي في النماذج المالية.
وتبرز كذلك أهمية الاستثمار في محطات استقبال الغاز الطبيعي المسال، وخطوط الربط بين الأسواق، وسعات التخزين، والتقنيات التي تساعد على إدارة الطلب، غير أن القيمة الاستثمارية لهذه الأصول تختلف بحسب نموذج الإيرادات، والتنظيم الحكومي، ومعدلات الاستخدام، وتكلفة التمويل؛ فالأهمية الاستراتيجية لا تعني بالضرورة أن كل أصل مرتبط بأمن الطاقة يمثل فرصة جذابة بأي سعر.

التحول الطاقي لا يلغي أهمية الغاز
تكشف التطورات الحالية عن حقيقة اقتصادية مهمة: الانتقال إلى مصادر الطاقة منخفضة الكربون لا يعني اختفاء الحاجة إلى الغاز في المدى القريب، فحين يتراجع إنتاج الطاقة المتجددة بفعل الظروف الجوية، أو يرتفع الطلب على الكهرباء، يمكن لمحطات الغاز أن تؤدي دورًا مكملًا في استقرار الشبكات.
لكن هذا الدور لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتأجيل الاستثمار في البدائل، فالاعتماد المفرط على الوقود المستورد يعرّض الاقتصادات لتقلبات الأسعار العالمية، بينما يمكن لتوسيع قدرات الطاقة المتجددة، وتطوير التخزين الكهربائي، وتحسين كفاءة الاستهلاك أن يخفف تدريجيًّا من حساسية الأنظمة لهذه الصدمات.
وبالنسبة إلى المستثمر المؤسسي، لا تكمن المسألة في الاختيار المطلق بين الطاقة التقليدية والطاقة النظيفة، بل في تحديد مزيج من الأصول يوازن بين أمن الإمدادات والعائد والمخاطر التنظيمية والتغير التكنولوجي، وقد تكون الفرصة الأفضل في الشركات القادرة على الاستفادة من الطلب الحالي، مع التكيف في الوقت نفسه مع التحولات طويلة الأجل في أسواق الطاقة.

الخليج بين موثوقية التصدير وتنويع الاقتصاد
تعزز الضغوط الأوروبية أهمية دول الخليج بوصفها جزءًا محوريًا من منظومة إمدادات الطاقة العالمية، لكنها تكشف أيضًا أن مكانة المورد لا تُقاس بحجم الإنتاج فقط، بل بقدرته على ضمان استمرارية التصدير والوصول إلى الأسواق.
وتبرز قطر في سوق الغاز الطبيعي المسال، فيما تسعى السعودية، من خلال رؤية 2030، إلى تنويع محركات النمو الاقتصادي مع الحفاظ على دورها الاستراتيجي في أسواق الطاقة، ومن منظور استثماري، يفتح ذلك المجال أمام التفكير في فرص تجمع بين البنية التحتية للطاقة، والخدمات اللوجستية، والتقنيات الصناعية، وحلول كفاءة الاستهلاك.
ومع ذلك، فإن اضطرابات الإمدادات قد تمنح بعض المنتجين مكاسب سعرية مؤقتة، لكنها ترفع في الوقت نفسه مخاطر التقلب وعدم اليقين، لذلك، ينبغي ألا تُبنى القرارات الاستثمارية على توقع استمرار الأسعار المرتفعة وحده، بل على قدرة الشركات والاقتصادات على تحويل المزايا الحالية إلى تدفقات نقدية مستدامة وقيمة مضافة طويلة الأجل.

الاستثمار في المرونة قبل وقوع الصدمة
أحد الأخطاء المتكررة في الأسواق هو المبالغة في تسعير الصدمة الجيوسياسية فور وقوعها، ثم التقليل من أهمية التحولات الهيكلية التي تكشف عنها، وفي حالة الغاز الأوروبي، قد تتراجع الأسعار إذا تحسنت حركة الشحن أو زادت الإمدادات أو جاء الشتاء أقل برودة من المتوقع، لكن تراجع الإنتاج المحلي البريطاني سيظل عاملًا طويل الأجل يستحق المتابعة.
ولهذا، يحتاج المستثمرون إلى الفصل بين التقلبات الموسمية والتغيرات الهيكلية في موازين العرض والطلب، كما ينبغي اختبار المحافظ أمام سيناريوهات متعددة، تشمل ارتفاع الأسعار، وتعطل الإمدادات، وتراجع الطلب الصناعي، وتسارع الاستثمار في البدائل منخفضة الكربون.
في النهاية، لا يتمثل الرهان الاستثماري الأهم في توقع اتجاه أسعار الغاز خلال شتاء واحد، بل في تحديد الأصول القادرة على الصمود عندما تتغير ظروف السوق، فالأمن والمرونة لم يعودا مجرد تكاليف إضافية تتحملها الاقتصادات، بل أصبحا عنصرين في التنافسية وتقييم الشركات وتخصيص رأس المال، وفي سوق طاقة تتشابك فيها الجغرافيا السياسية مع التدفقات النقدية، قد تكون القدرة على الاستمرار في التشغيل وتأمين الإمدادات هي الفارق بين أصل يستفيد مؤقتًا من الأزمة، وآخر يصنع قيمة مستدامة بعدها.