سامر شقير: الطلب الصيني على الذهب يُعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي في 2026
أكد سامر شقير، رائد الاستثمار، أن تصاعد الطلب الصيني على الذهب خلال عام 2026 يمثل تحولًا هيكليًّا في أسواق المعادن الثمينة وتوجهات تخصيص رأس المال المؤسسي عالميًّا، مشيرًا إلى أن الصين لم تعد مجرد مستهلك رئيسي للمعدن الأصفر، بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة في تحديد اتجاهات الطلب العالمي وإعادة تشكيل استراتيجيات إدارة الاحتياطيات.
وقال سامر شقير: إن واردات الصين من الذهب تجاوزت ألف طن خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بقيمة قياسية بلغت 158.8 مليار دولار، متجاوزة إجمالي وارداتها خلال العام السابق، وهو ما يعكس قوة الطلب الاستثماري الصيني، سواء من المؤسسات والأسر أو الجهات الرسمية.
وأضاف أن استمرار بنك الشعب الصيني في زيادة احتياطياته من الذهب للشهر الثالث والعشرين على التوالي، بإضافة نحو 23 طنًا خلال سبتمبر، يؤكد أن التوجه نحو المعدن الأصفر يتجاوز التحركات التكتيكية المرتبطة بتقلبات الأسعار، ليعبر عن استراتيجية طويلة الأجل لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار.
الصين تعيد تشكيل خريطة الاحتياطيات العالمية
وأوضح سامر شقير أن تراجع حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية إلى 618 مليار دولار في يوليو 2026، وهو أدنى مستوى منذ 18 عامًا، يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو تنويع الأصول الاحتياطية، في ظل المخاوف المرتبطة بالدين الأمريكي والتوترات الجيوسياسية ومخاطر الاعتماد على العملات الأجنبية.
وأشار إلى أن الذهب يتمتع بخصوصية استثمارية مهمة، باعتباره أصلًا ماديًّا لا يحمل مخاطر الطرف المقابل المرتبطة بالأدوات المالية التقليدية، وهو ما يجعله خيارًا مهمًا للبنوك المركزية التي تسعى إلى تعزيز استقلالية احتياطياتها المالية.
وأضاف أن التحديات التي يواجهها الاقتصاد الصيني، خاصة في قطاع العقارات وضعف عوائد بعض الأصول المحلية، ساهمت في زيادة اهتمام الأسر والمؤسسات بالذهب باعتباره وسيلة للحفاظ على الثروة وتنويع المدخرات.
واستشهد سامر شقير بما طرحه الكاتب مورغان هاوسل في كتابه «سيكولوجية المال»، بشأن دور الذهب في الحفاظ على الثروة عبر الأجيال، موضحًا أن أهميته في المرحلة الحالية ترتبط بالتفكير الاستثماري طويل الأجل أكثر من السعي وراء تحقيق مكاسب سريعة.
الطلب المؤسسي يعزز الدعم الهيكلي لأسعار الذهب
وأكد سامر شقير أن الطلب الصيني أصبح أحد مصادر الدعم الهيكلي لسوق الذهب، حتى في الفترات التي تشهد ارتفاعًا في عوائد السندات الأمريكية، موضحًا أن مشتريات البنوك المركزية تختلف عن التدفقات الاستثمارية قصيرة الأجل، لأنها ترتبط باستراتيجيات إدارة الاحتياطيات والسيادة المالية.
وأشار إلى أن هذا التحول قد يدفع المؤسسات الاستثمارية العالمية إلى إعادة تقييم نسب تخصيص الذهب داخل المحافظ، بعدما كان ينظر إليه باعتباره أداة تحوط محدودة، ليصبح عنصرًا أكثر أهمية في التنويع الجغرافي والسيادي وتقليل مخاطر تركز الأصول.
ولفت إلى أن توقعات مؤسسة ستيت ستريت لإدارة الاستثمارات تشير إلى إمكانية تداول الذهب بين 4750 و5500 دولار للأونصة بنهاية الربع الأول من عام 2027، مع استمرار وجود مخاطر مرتبطة بارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار الأمريكي.
شركات التعدين والذهب المادي ضمن فرص الاستثمار
وعن الفرص الاستثمارية، قال سامر شقير إن شركات تعدين الذهب ذات تكاليف الإنتاج المنخفضة والميزانيات المالية القوية قد تكون من أبرز المستفيدين من استمرار الدعم الهيكلي للأسعار، خاصة الشركات التي تتمتع بكفاءة تشغيلية وقدرة على الحفاظ على هوامش الربح.
وأضاف أن الاستثمار في الذهب المادي وصناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة به قد يمثل وسيلة مناسبة لتنويع المحافظ المؤسسية، بشرط تحديد نسب التخصيص وفقًا للأهداف الاستثمارية ومستويات تحمل المخاطر.
وفي المقابل، حذر من الاعتماد المفرط على استمرار المشتريات الصينية، موضحًا أن تباطؤ الطلب الرسمي أو ارتفاع العوائد الأمريكية بوتيرة أكبر من المتوقع قد يفرض ضغوطًا على أسعار الذهب خلال الفترات القصيرة.
وشدد على أهمية تطبيق مفهوم هامش الأمان الذي طرحه المستثمر بنجامين غراهام في كتابه «المستثمر الذكي»، بحيث ينظر المستثمر إلى الذهب باعتباره أداة تأمين وتحوط في مواجهة المخاطر الجيوسياسية والنقدية، وليس مجرد رهان على ارتفاع الأسعار.
فرص استثمارية للسعودية والاقتصاد الخليجي
وعلى مستوى السعودية والاقتصاد الخليجي، أوضح سامر شقير أن التحول العالمي نحو تنويع الاحتياطيات قد يفتح فرصًا إضافية أمام المؤسسات الاستثمارية وصناديق السلع والمعادن الثمينة، إلى جانب الشركات العاملة في سلسلة قيمة الذهب والتعدين والخدمات المرتبطة به.
وأشار إلى أن تنويع مصادر العوائد وإدارة المخاطر يمثلان جزءًا مهمًا من تطوير الاستراتيجيات الاستثمارية طويلة الأجل، بالتوازي مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 لتنويع الاقتصاد وتعزيز جاذبية الأسواق المالية.
وأكد أن المؤسسات الخليجية تستطيع الاستفادة من تنامي الطلب الآسيوي من خلال دراسة الفرص المرتبطة بالذهب والأصول التعدينية العالمية، مع مراعاة جودة الأصول ومخاطر الأسعار والسيولة.
2027.. الطلب الصيني تحت مجهر المستثمرين
واختتم سامر شقير تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار مشتريات بنك الشعب الصيني وتطور واردات الذهب وحيازات سندات الخزانة الأمريكية ستظل من أهم المؤشرات التي ينبغي على المستثمرين مراقبتها خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن السيناريو الأساسي يشير إلى استمرار أهمية الطلب الصيني في دعم السوق على المدى المتوسط، مع احتمالات حدوث تقلبات نتيجة تغير توقعات أسعار الفائدة الأمريكية أو تباطؤ الواردات أو تراجع وتيرة الشراء الرسمي.
وشدد على أن المستثمرين المؤسسيين بحاجة إلى تخصيص نسبة مدروسة من محافظهم للذهب والأصول المرتبطة به، مع التركيز على الشركات ذات الجودة العالية والانضباط في إدارة رأس المال.
وأكد شقير أن التحول الأهم في سوق الذهب خلال عام 2026 لا يتمثل فقط في ارتفاع حجم المشتريات الصينية، وإنما في تغير النظرة إلى المعدن الأصفر من أصل تقليدي للتحوط إلى أداة استراتيجية ضمن منظومة إدارة الثروة والاحتياطيات العالمية، وهو ما قد يترك تأثيرًا ممتدًا على قرارات تخصيص رأس المال خلال عام 2027 وما بعده.
