موقع النجم الاخباري

سامر شقير يكتب: أفريقيا تدخل حسابات رأس المال المصري

الأحد 8 نوفمبر 2026 10:43 صـ 27 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

يعكس إعلان  رئيس مجلس إدارة السالم القابضة، عن دراسة فرصتين استثماريتين في أفريقيا ضمن خطط الشركة لعام 2027، تحولًا تدريجيًّا في طريقة تحرك رأس المال المصري الخاص، من التركيز على السوق المحلية إلى البحث عن فرص إقليمية مدروسة، بالتوازي مع تطوير أدوات استثمار أكثر تنظيمًا داخل مصر.
وتستهدف المجموعة خلال المرحلة المقبلة تعزيز استثماراتها في القطاع الفندقي وإصدار الصناديق العقارية، مع العمل على استكمال الموافقات التنظيمية لإطلاق صندوق عقاري جديد قبل نهاية العام المقبل، 
كما تتضمن خططها إطلاق فندق بوتيك فاخر في وسط القاهرة بطاقة تقارب 100 غرفة، إلى جانب مشروعين عقاريين جديدين، أحدهما في الدلتا والآخر في القاهرة الجديدة، ضمن مستهدف استثماري يبلغ 50 مليار جنيه في السوق المحلية خلال السنوات الخمس المقبلة.
تكمن أهمية هذه التحركات في أنها تجمع بين ثلاثة مسارات مترابطة: استمرار الاستثمار في العقار باعتباره النشاط الرئيسي للمجموعة، وتوسيع النشاط السياحي نحو الضيافة الحضرية، والانتقال تدريجيًّا إلى أدوات الاستثمار الجماعي عبر الصناديق العقارية، مع فتح المجال أمام فرص أفريقية جديدة.

من السوق المحلية إلى بناء امتداد إقليمي
أصبحت أفريقيا بالنسبة إلى الشركات المصرية ذات المحافظ الاستثمارية المتنوعة امتدادًا محتملًا للأسواق المحلية، وليس مجرد وجهة جغرافية بعيدة، لكن نجاح هذا التوجه لا يرتبط بحجم رأس المال المخصص وحده، بل بقدرة الشركات على نقل خبراتها التشغيلية وبناء شراكات محلية وفهم الأطر التنظيمية في كل سوق.
ويتقاطع هذا التوجه مع ما طرحه مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations بشأن أهمية العناقيد القطاعية المترابطة في بناء الميزة التنافسية، فالتوسع الإقليمي الأكثر استدامة لا يقوم على تصدير رأس المال فقط، وإنما على نقل المعرفة والخبرات وبناء سلاسل قيمة عابرة للحدود.
ومن هذا المنطلق، تمثل دراسة السالم القابضة لفرصتين في أفريقيا خطوة استكشافية يمكن أن تتحول إلى استثمارات فعلية إذا أثبتت الجدوى التشغيلية والقانونية، والأهم هو اختيار الأسواق والقطاعات التي تتناسب مع خبرات المجموعة، بدلًا من التوسع الجغرافي لمجرد زيادة الانتشار.

العقار والسياحة.. محفظة تتجه نحو التنويع
يظل العقار النشاط الرئيسي للمجموعة داخل مصر، بينما يأتي التوسع السياحي في 2027 مكملًا لهذا النشاط وليس بديلًا عنه، ويعكس استهداف مشروعات جديدة في الدلتا والقاهرة الجديدة استمرار الرهان على الطلب السكني، في حين يضيف فندق البوتيك في وسط القاهرة بعدًا مختلفًا لمحفظة الضيافة، من خلال استهداف السياحة الحضرية وربط الإقامة الفندقية بالنسيج العمراني للمدينة.
وقد يستفيد هذا النموذج من الطلب على تجارب الإقامة الفندقية المتميزة في القاهرة، لكنه يتطلب معايير تشغيلية مرتفعة وجودة مستدامة في الخدمات، فضلًا عن دراسة دقيقة لمستويات الإشغال ومتوسط الإنفاق وتكاليف التشغيل، فالعائد في قطاع الضيافة لا يتحدد بتكلفة إنشاء الفندق أو عدد غرفه فقط، بل بقدرته على تحقيق تدفقات نقدية مستقرة على مدى دورة التشغيل.
وفي المقابل، تظل المشروعات العقارية معرضة لمخاطر ارتفاع تكاليف التمويل والإنشاء أو تباطؤ الطلب، لذلك، فإن نجاح خطة استثمارية بهذا الحجم يتطلب موازنة دقيقة بين سرعة التوسع والقدرة على تحويل المشروعات إلى أصول منتجة تحقق عائدًا يتناسب مع المخاطر.

الصناديق العقارية تنقل الاستثمار إلى مرحلة أكثر مؤسسية
يمثل التوجه نحو إطلاق صندوق عقاري جديد تطورًا مهمًا في هيكل تخصيص رأس المال، لأنه يتيح الانتقال من الاعتماد على الملكية المباشرة للمشروعات إلى أدوات استثمار جماعي أكثر تنظيمًا، يمكن أن توسع قاعدة المستثمرين وتوفر فرصًا لتوزيع المخاطر وتنويع مصادر التمويل.
لكن جاذبية الصناديق العقارية لا تُقاس بحجم الأصول المستهدف جمعها وحده، فوفقًا لمفهوم «هامش الأمان» الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، ينبغي أن يستند القرار الاستثماري إلى جودة الأصول وتقييماتها وقدرتها على توليد التدفقات النقدية، مع دراسة مستويات السيولة والرافعة المالية وتكاليف الإدارة.
كما أن استكمال الموافقات التنظيمية في التوقيت المحدد يمثل عاملًا أساسيًّا في تنفيذ الخطة، إلى جانب قدرة الصندوق على جذب المستثمرين وتقديم هيكل واضح للحوكمة والإفصاح، فالمأسسة الحقيقية لا تتحقق بمجرد إطلاق أداة استثمارية جديدة، وإنما بوجود إطار يحمي حقوق المستثمرين ويعزز الثقة في استدامة العوائد.

التنفيذ سيحسم قيمة التوسع
على مستوى الأسواق الإقليمية، قد تفتح تحركات الشركات المصرية والمجموعات الخليجية متعددة الأسواق مجالًا أوسع للتنسيق الاستثماري نحو أفريقيا، خصوصًا في العقار والسياحة والبنية التحتية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى تدفقات فعلية يتطلب استقرارًا تنظيميًا وشركاء محليين قادرين على إدارة العمليات، إلى جانب تقييم المخاطر السياسية والتمويلية والتشغيلية في كل سوق.
وتتوقف السيناريوهات المستقبلية للسالم القابضة على قدرتها على تنفيذ مستهدفاتها المحلية، وإطلاق الصندوق العقاري وفق معايير مؤسسية واضحة، ثم تحويل الفرص الأفريقية المدروسة إلى مشروعات ذات جدوى قابلة للقياس، وإذا نجحت المجموعة في إدارة هذه المسارات بالتوازي، فقد تقدم نموذجًا لشركات مصرية تسعى إلى الجمع بين النمو المحلي والتوسع الإقليمي.
في تقديري، تعكس خطوات السالم القابضة توجهًا نحو تخصيص أكثر تنوعًا وتنظيمًا لرأس المال، لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في حجم الاستثمارات المعلنة أو عدد الأسواق المستهدفة، بل في جودة الأصول وكفاءة التشغيل واستدامة التدفقات النقدية، فالمستثمر المؤسسي لا يبحث عن الانتشار بقدر ما يبحث عن عائد يمكن قياسه وإدارته، وعن توسع يحافظ على هامش أمان كافٍ، وهذا هو الفارق بين النمو في حجم المحفظة والنمو في قيمتها الاستثمارية.