موقع النجم الاخباري

سامر شقير: تراجع الدولار يُعيد رسم خريطة الفائدة وتخصيص رأس المال عالميًّا

الأحد 9 أغسطس 2026 03:38 مـ 24 صفر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن الأسواق أعادت تسعير المخاطر بوتيرة أسرع مما توقعه كثير من المحللين، عقب تراجع الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ مايو، بعد صدور بيانات وظائف جاءت أضعف من التوقعات، الأمر الذي قلص رهانات رفع أسعار الفائدة في سبتمبر وأعاد رسم خريطة العوائد وتخصيص الأصول عالميًّا.

وأوضح شقير، أن ضعف سوق العمل الأمريكي لم يكن يعني بالضرورة اقتراب الاقتصاد من ركود وشيك، لكنه عكس انتقالًا تدريجيًّا نحو بيئة نمو أبطأ وأكثر اعتمادًا على الإنتاجية بدلًا من التوسع في التوظيف، مشيرًا إلى أن هذا التحول دفع المؤسسات الاستثمارية إلى مراجعة أوزانها في الأصول الأمريكية قصيرة الأجل لصالح أصول ذات حساسية أعلى لانخفاض العوائد الحقيقية.

بيانات الوظائف غيَّرت حسابات الفائدة

وأشار سامر شقير، إلى أن الاقتصاد الأمريكي فقد 23 ألف وظيفة في يوليو، مقارنة بتوقعات كانت تشير إلى زيادة قدرها 80 ألف وظيفة، لافتًا إلى أن الصورة أصبحت أكثر وضوحًا مع إجراء تعديلات هبوطية كبيرة لبيانات الشهرين السابقين بلغت 103 آلاف وظيفة.

وأضاف شقير، أن معدل البطالة انخفض إلى 4.1%، إلا أن هذا التراجع جاء مدفوعًا بانخفاض مشاركة القوى العاملة إلى 61.4%، وهو أدنى مستوى في أكثر من خمس سنوات، قائلًا: إن الأسواق تفاعلت سريعًا مع هذه الأرقام، إذ انخفض مؤشر الدولار بنحو 0.44% إلى مستويات قريبة من 99.50، بينما تراجعت احتمالات رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر إلى نحو 44%، مقارنة بأكثر من 55% قبل صدور البيانات.

ورأى شقير، أن هذه التطورات فتحت نقاشًا أعمق حول استدامة الدورة الاقتصادية الأمريكية ومدى قدرة السياسة النقدية على الحفاظ على التوازن بين التضخم وسوق العمل.

وأوضح شقير، أن المستثمرين قرأوا البيانات باعتبارها إشارة إلى أن الضغوط على الأجور والطلب المحلي بدأت في التراجع، وهو ما قد يحد من الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي على المدى القريب.

انقسام الفيدرالي يواجه اختبارًا جديدًا

وقال سامر شقير: إن بيانات يوليو جاءت في توقيت حساس، إذ كان الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى أسعار الفائدة في نطاق 3.50%-3.75% خلال اجتماعه الأخير، وسط انقسام واضح داخل اللجنة.

وأشار شقير، إلى أن ثلاثة أعضاء فضلوا رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، مدفوعين بمخاوف من استمرار التضخم فوق الهدف، مضيفًا أن بيانات سوق العمل الأخيرة غيّرت المعادلة، إذ إن الانخفاض غير المتوقع في الوظائف، إلى جانب المراجعات السلبية للبيانات السابقة، قلل من احتمالات تحرك الفيدرالي في سبتمبر قبل الحصول على قراءة أكثر وضوحًا للتضخم خلال الأسابيع المقبلة.

وأكد شقير، أن بيانات التضخم المقبلة ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد المسار الذي سيتخذه الاحتياطي الفيدرالي، وفي تثبيت أو عكس إعادة التسعير التي شهدتها الأسواق بعد بيانات الوظائف.

تراجع العوائد يدعم الأصول الحساسة للفائدة

وفي سوق الدخل الثابت، أشار سامر شقير إلى أن عوائد سندات الخزانة الأمريكية تراجعت بالتزامن مع تغير توقعات الفائدة، إذ انخفض عائد السندات لأجل عامين بنحو 4 نقاط أساس، فيما تراجع عائد السندات لأجل عشر سنوات بمقدار نقطتين أساس.

وقال شقير: إن هذا التحرك عكس تراجعًا في توقعات التضخم والفائدة على المدى المتوسط، بينما استفاد الذهب من ضعف الدولار، وارتفع إلى أعلى مستوياته في أسابيع، في إشارة إلى استمرار توجه المستثمرين نحو أدوات التحوط التقليدية.

وأضاف شقير، أن انخفاض العوائد المتوقعة يمكن أن يعيد توجيه جزء من رأس المال نحو الأصول التي تستفيد عادة من انخفاض تكلفة التمويل، سواء في الأسواق الأمريكية أو خارجها.

ضعف الدولار يعيد توجيه التدفقات العالمية

وأوضح سامر شقير، أن تراجع الدولار عادة ما يوفر دعمًا للعملات الرئيسية الأخرى، خصوصًا اليورو والين، كما يفتح المجال أمام تدفقات إضافية إلى الأسواق الناشئة.

وأشار شقير، إلى أن العملات الآسيوية واللاتينية شهدت بعض الانتعاش في الجلسات الأخيرة، مدعومة بتوقعات أن يحافظ الاحتياطي الفيدرالي على موقف أكثر حذرًا.

وفي أسواق الأسهم، ارتفعت المؤشرات الأمريكية مع تراجع رهانات التشديد النقدي، واستفادت قطاعات حساسة للفائدة، مثل التكنولوجيا والعقارات، من انخفاض تكلفة التمويل المتوقعة.

وقال شقير: إن هذه البيئة عززت جاذبية الأسواق التي تتمتع بفروق عوائد إيجابية واستقرار نسبي في السياسة النقدية، مشيرًا إلى أن صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول يميلون في مثل هذه الظروف إلى زيادة تعرضهم للأصول في اقتصادات الخليج التي تجمع بين فوائض مالية قوية وبرامج تنويع طموحة.

وأضاف شقير، أن تخصيص رأس المال أصبح أكثر انتقائية، مع تركيز أكبر على القطاعات التي تستفيد من انخفاض تكلفة الدولار، ومنها التصنيع والتصدير والسياحة.

السندات والأسواق الناشئة أمام فرصة جديدة

ورأى سامر شقير، أن أسواق الدخل الثابت في الاقتصادات الناشئة قد تشهد زيادة نسبية في الطلب على السندات السيادية، خصوصًا في الأسواق التي تقدم عوائد حقيقية جذابة بعد تعديلها وفق التضخم.

وأشار شقير، إلى أن ضعف الدولار يدعم أسعار السلع، بما في ذلك النفط، رغم استمرار الضغوط الجيوسياسية، وهو ما يبقي تدفقات الإيرادات في الدول المصدرة للطاقة عند مستويات مريحة، قائلًا: إن هذا المزيج من انخفاض الدولار وتراجع توقعات الفائدة يمكن أن يمنح المستثمرين مساحة أكبر لتنويع محافظهم جغرافيًّا، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الاختيار بين الأسواق سيظل مرتبطًا بجودة الأصول واستقرار السياسات وقدرتها على توليد عوائد حقيقية.

الخليج يستفيد من إعادة توزيع رأس المال

وقال سامر شقير: إن أداء الدولار يرتبط ارتباطًا وثيقًا باقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، نظرًا إلى ارتباط معظم عملاتها بالدولار.

وأوضح شقير، أن ضعف الدولار يمكن أن يخفف الضغوط على الصادرات غير النفطية، كما يعزز القدرة التنافسية للقطاعات غير النفطية، لافتًا إلى أن هذه البيئة تتوافق مع أهداف رؤية 2030 في المملكة العربية السعودية، التي تركز على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوسيع القاعدة الإنتاجية.

وأشار شقير، إلى أن استمرار تراجع الدولار قد يعزز جاذبية الاستثمارات في البنية التحتية والتصنيع المتقدم والمشاريع المرتبطة بالاقتصاد الرقمي داخل المملكة.

وأضاف شقير، أن المستثمرين المؤسسيين كانوا يبحثون عن أصول تجمع بين عوائد مستقرة وإمكانية نمو هيكلي، وهي معادلة رأى أنها تتوافر في برامج صندوق الاستثمارات العامة والمشاريع الكبرى مثل نيوم والمناطق الاقتصادية الخاصة، مشددًا على أن حوكمة الشركات وكفاءة تخصيص رأس المال ستصبحان عاملين حاسمين في تحديد الفائزين خلال هذه المرحلة، خصوصًا مع ارتفاع انتقائية المستثمرين في توزيع السيولة بين القطاعات والمشاريع.

المصارف والعقارات والسياحة أمام تدفقات محتملة

وعلى مستوى المنطقة، توقع سامر شقير أن يستفيد القطاع المصرفي من انخفاض تكلفة التمويل بالدولار، بما يدعم نمو الإقراض الموجه إلى الشركات والمشاريع.

وأشار شقير، إلى إمكانية استفادة قطاعي العقارات والسياحة من تدفقات إضافية، في ظل تحسن القوة الشرائية النسبية للزوار القادمين من خارج منطقة الدولار.

وأوضح شقير، أن استفادة القطاعات الخليجية من البيئة الجديدة لن تكون متساوية، إذ ستتجه تدفقات رأس المال بصورة أكبر إلى الأنشطة التي تمتلك مقومات نمو هيكلي وتستفيد في الوقت نفسه من انخفاض تكلفة التمويل وتحسن الظروف الخارجية.

التضخم والجغرافيا السياسية يفرضان الحذر

ورغم الإشارات الإيجابية قصيرة الأجل بالنسبة إلى الأصول الحساسة للفائدة، أكد شقير أن الحذر ظل ضروريًّا، مشيرًا إلى أن بيانات التضخم المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأسواق.

وقال سامر شقير: إن أي ارتفاع غير متوقع في الأسعار يمكن أن يعيد إحياء رهانات رفع الفائدة، وبالتالي يعكس مسار الدولار ويعيد تسعير العوائد والأصول مرة أخرى.

وأضاف شقير، أن التوترات الجيوسياسية المستمرة تمثل بدورها عامل خطر إضافيًّا، إذ يمكن أن تدفع المستثمرين بصورة مفاجئة نحو الملاذات الآمنة، ما يؤدي إلى تغيُّر سريع في اتجاهات تدفقات رأس المال.

مرونة أكبر في إدارة المخاطر

وأشار سامر شقير، إلى أن إدارة المخاطر في هذه البيئة تتطلب مرونة في تخصيص الأصول، مع الحفاظ على تعرض متوازن بين الأصول الأمريكية والأصول في الأسواق التي تستفيد من ضعف الدولار.

وأكد شقير، أن الاستثمار طويل الأجل ينبغي أن يركز على الشركات ذات الميزانيات القوية والقدرة على توليد تدفقات نقدية مستقرة، بغض النظر عن تقلبات العملة.

وأوضح شقير، أن التركيز على قوة الميزانيات والتدفقات النقدية يصبح أكثر أهمية في بيئة تتغير فيها توقعات الفائدة والعملات بسرعة، لأن التحولات قصيرة الأجل في الدولار لا ينبغي أن تطغى على الأساسيات طويلة الأجل للأصول.

إعادة توزيع رأس المال.. تحول مستدام أم تصحيح مؤقت؟

وخلص سامر شقير إلى أن تراجع الدولار وبيانات الوظائف الضعيفة فتحا نافذة أمام إعادة توزيع رأس المال عالميًّا، متوقعًا أن يواصل المستثمرون المؤسسيون مراقبة بيانات التضخم وسوق العمل عن كثب خلال الأسابيع المقبلة.

وقال شقير: إن المؤسسات ستكون مستعدة لتعديل مراكزها الاستثمارية إذا ظهرت إشارات جديدة من الاحتياطي الفيدرالي، في وقت بقيت فيه الأسواق الخليجية في موقع مميز بفضل الاستقرار المالي وبرامج الإصلاح الهيكلي.

وأضاف شقير، أن تخصيص رأس المال مرشح لأن يتجه بصورة متزايدة نحو القطاعات المرتبطة بـالتنويع الاقتصادي والابتكار، مدعومًا ببيئة فائدة أكثر تيسيرًا على المستوى العالمي.

وأكد شقير، أن السؤال الأهم أمام صناديق الاستثمار ومديري الأصول في المرحلة المقبلة سيكون مدى استدامة هذا التحول، وما إذا كان يمثل بداية مرحلة جديدة من إعادة التسعير وتوزيع رأس المال عالميًّا، أم مجرد تصحيح مؤقت في مسار الدولار.