سامر شقير: موجات الحر تُعيد رسم خريطة المخاطر وتوجِّه رأس المال نحو أصول المرونة
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن موجات الحر القياسية التي شهدتها دول غرب أوروبا خلال شهري يونيو ويوليو تمثل تحولًا يتجاوز حدود الظاهرة المناخية العابرة، لتصبح متغيرًا اقتصاديًّا واستثماريًّا هيكليًّا يُعيد تشكيل خريطة المخاطر وتدفقات رأس المال، مشيرًا إلى أن التطورات المناخية المتسارعة تفرض على المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية إعادة تسعير المخاطر المناخية ضمن محافظ الأسهم والديون والبنية التحتية، بالتوازي مع تنامي الفرص الاستثمارية في أصول التكيف والمرونة والطاقة المتجددة والتخزين وتقنيات التبريد والتمويل المناخي.
وأوضح سامر شقير، أن غرب أوروبا يشهد أحد أشد فصول الصيف حرارة في السجلات الحديثة، حيث سجلت المنطقة أعلى متوسط لدرجات الحرارة لشهري يونيو ويوليو مجتمعين عند 21.62 درجة مئوية، بارتفاع يقارب 2.8 درجة عن متوسط الفترة بين عامي 1991 و2020، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2022.
وأضاف سامر شقير، أن هذه الارتفاعات جاءت بعد موجات حر متتالية بدأت منذ مايو، ووصلت درجات الحرارة خلالها إلى مستويات قياسية في فرنسا وألمانيا وبولندا والتشيك ودول أوروبية أخرى، مع تسجيل درجات حرارة يومية تجاوزت 43 درجة مئوية في عدد من المناطق الغربية، بالتزامن مع موجات جفاف واسعة وحرائق غابات أحرقت مئات الآلاف من الهكتارات، ولا سيما في فرنسا وإسبانيا، وهو ما فرض تكاليف مباشرة على الميزانيات العامة وشركات التأمين والقطاعات الإنتاجية.
وأكد سامر شقير، أن التسلسل المتكرر لهذه الأحداث يعكس انتقال المخاطر المناخية من كونها أحداثًا دورية إلى عامل هيكلي يؤثر في النمو الاقتصادي والتضخم وتدفقات رأس المال، مشيرًا إلى أن تحليلات اقتصادية قدرت في سنوات سابقة خسائر موجات الحر المماثلة بما يصل إلى 0.5 في المئة من الناتج المحلي الأوروبي سنويًّا في بعض الحالات، مع تسجيل خسائر أعلى في المناطق الجنوبية.
وأشار سامر شقير، إلى أن تقديرات حديثة تفيد بأن تراكم موجات الحر والجفاف قد يقود إلى خسائر تراكمية تتراوح بين 5 و7 في المئة من الناتج المحلي في اقتصادات مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا بحلول نهاية العقد إذا استمرت الأنماط الحالية، وهو ما يدفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة تقييم ما يُعرف بالبيتا المناخية ضمن محافظهم الاستثمارية.
وقال سامر شقير: إن موجات الحر أصبحت متغيرًا اقتصاديًّا كليًّا يؤثر في جانبي العرض والطلب في الوقت نفسه، موضحًا أن ارتفاع درجات حرارة الأنهار أدى إلى تقييد تشغيل محطات نووية تعتمد على مياه التبريد، مع خفض الإنتاج في محطات فرنسية وهنغارية ورومانية، بينما تراجعت مستويات نهري الراين والدانوب إلى مستويات تاريخية أثرت في حركة الشحن النهري وخفضت الحمولة المتاحة للسفن.
وأضاف شقير، أن جانب الطلب شهد في المقابل ارتفاعًا حادًا في استهلاك الكهرباء نتيجة زيادة الحاجة إلى التبريد، الأمر الذي دفع أسعار الطاقة اليومية إلى مستويات قياسية في عدد من الأسواق الأوروبية خلال فترات ذروة موجات الحر، مشيرًا إلى أن هذا التزامن بين قيود العرض وارتفاع الطلب يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى أسواق الطاقة الأوروبية.
وأوضح شقير، أن التأثير لا يتوقف عند أسواق الطاقة، إذ يضغط الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة على الإنتاج الزراعي، وخاصة الحبوب والزيوت، بما يرفع أسعار الغذاء ويعقد مهمة البنك المركزي الأوروبي في الحفاظ على استقرار الأسعار، لافتًا إلى أن بعض الدراسات تقدر إمكانية إضافة أحداث الحر والجفاف ما بين 0.4 و0.9 نقطة مئوية إلى تضخم الغذاء في منطقة اليورو، مع تأثير أكبر في اقتصادات جنوب أوروبا.
ولفت شقير، إلى أن تراجع الإنتاجية يمثل قناة أخرى لانتقال آثار الحرارة إلى الاقتصاد، حيث يؤدي انخفاض ساعات العمل الفعالة في قطاعات البناء واللوجستيات والخدمات إلى خسائر مباشرة في القيمة المضافة، وقد قدرت هذه الخسائر في ألمانيا وحدها بمليارات اليورو خلال موجة يونيو.
وقال شقير: إن الأسواق المؤسسية بدأت بصورة متزايدة في التعامل مع الحرارة الشديدة باعتبارها عاملًا يمكن أن ينتج ضغوطًا ذات طبيعة ركودية تضخمية، نتيجة تزامن تباطؤ النمو مع ارتفاع ضغوط التكلفة، الأمر الذي يستدعي إعادة تسعير علاوات المخاطر في أدوات الدخل الثابت والديون السيادية الأوروبية الأكثر تعرضًا لهذه التداعيات.
وأضاف شقير، أن الطاقة الشمسية أسهمت في بعض الأسواق في تخفيف جزء من الضغط خلال ساعات الذروة النهارية، وهو ما يعزز الحجة الاستثمارية المرتبطة بالتخزين والمرونة الشبكية، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة وتقلباتها يفتح في الوقت نفسه مجالًا أوسع أمام الاستثمارات في كفاءة الطاقة وتقنيات التبريد المتقدمة.
وأشار شقير، إلى أن أسعار الغاز والكهرباء شهدت ارتفاعات ملحوظة خلال فترات الذروة، مع اتساع الفروقات بين الأسعار اليومية والليلية، في حين انعكست الحرائق والجفاف على سلاسل الإمداد الزراعية والغابات، بما يزيد الضغوط على أسعار عدد من المحاصيل والسلع المرتبطة بها.
وأكد سامر شقير، أن التحولات المناخية تخلق في الوقت ذاته فرصًا استثمارية جديدة، موضحًا أن ارتفاع تكاليف الطاقة والحاجة المتزايدة إلى التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة يدعمان قطاعات كفاءة الطاقة والتبريد المتقدم والبنية التحتية المرنة والطاقة المتجددة المرتبطة بأنظمة تخزين قادرة على الاستجابة لتقلبات الطلب الموسمية.
وعلى مستوى قطاع التأمين، قال سامر شقير: إن السوق الأوروبية يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة بقاء نسبة كبيرة من الخسائر المناخية خارج نطاق التغطية التأمينية، وهو ما ينقل جزءًا من العبء المالي إلى الحكومات والأسر، مشيرًا إلى ارتفاع أقساط التأمين في بعض الأسواق وبدء بعض شركات التأمين في تشديد التغطية بالمناطق الأعلى تعرضًا للمخاطر المناخية.
وأضاف شقير، أن هذه التطورات تدعم في المقابل نمو أدوات نقل المخاطر إلى أسواق رأس المال، بما في ذلك سندات الكوارث والمشتقات المناخية، مع تنامي الاهتمام بالعقود المرتبطة بالطقس الأوروبي كوسيلة للتحوط من بعض الآثار المالية للأحداث المناخية المتطرفة.
وأكد شقير، أن صناديق الأسهم الخاصة والمستثمرين المؤسسيين أمام مجموعة واسعة من الفرص في إعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير شبكات الكهرباء، وتقنيات التبريد والتكييف عالية الكفاءة، والزراعة المقاومة للجفاف، إلى جانب أصول الطاقة المتجددة التي تتكامل مع حلول تخزين مرنة قادرة على التعامل مع التقلبات الموسمية في الطلب والإنتاج.
وقال رائد الاستثمار سامر شقير: إن تخصيص رأس المال يتجه تدريجيًّا نحو ما يمكن وصفه بـ"أصول المرونة"، موضحًا أن المستثمرين الذين يدمجون المخاطر المناخية بصورة منهجية في نماذج التقييم سيكونون أكثر قدرة على تجنب الأصول المعرضة لانخفاض القيمة، وفي الوقت نفسه الاستفادة من الفروقات في التسعير بين الأسواق والقطاعات المختلفة.
وفي السياق الخليجي والسعودي، أشار شقير إلى أن التطرف المناخي في أوروبا يفتح فرصًا استراتيجية أمام المملكة العربية السعودية لتعزيز موقعها كمصدر موثوق للطاقة التقليدية والبديلة في آن واحد، مستفيدة من خبرة هندسية متقدمة في التعامل مع البيئات ذات درجات الحرارة المرتفعة.
وأضاف شقير، أن صناديق الثروة السيادية الخليجية، وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة، يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تمويل مشاريع التكيف الأوروبية أو الدخول في شراكات مرتبطة بتقنيات التبريد والتخزين والبنية التحتية المرنة، بما يتوافق مع استراتيجيات التنويع والاستثمار طويل الأجل.
ولفت شقير، إلى أن ارتفاع الطلب الأوروبي على الطاقة النظيفة يوفر في الوقت نفسه دعمًا إضافيًّا لمشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة السعودية الموجهة إلى الأسواق العالمية، مؤكدًا أن التحولات المناخية في أوروبا لا تمثل فقط مصدرًا للمخاطر، وإنما تخلق كذلك مساحات جديدة للتعاون والاستثمار عبر سلاسل القيمة العالمية للطاقة.
وقال سامر شقير: إن الميزة التنافسية الخليجية تتمثل في القدرة على تقديم حلول طاقة مستقرة في بيئة عالمية تتسم بتزايد التقلبات المناخية، معتبرًا أن الاستثمار في سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة والتكيف يمكن أن يصبح أحد المحاور الاستراتيجية الرئيسية لتخصيص رأس المال في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
وأضاف شقير، أن الجانب الآخر من هذه المعادلة يتمثل في إمكانية تحول تسارع الاستثمار في التكيف إلى محرك لنمو قطاعات جديدة في البنية التحتية والتكنولوجيا النظيفة، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة توزيع طويلة الأجل لرأس المال باتجاه الشركات والأصول التي توفر قدرة أكبر على الصمود أمام الظروف المناخية المتطرفة.
وأكد شقير، أن الواقع الجديد يتطلب من المستثمرين المؤسسيين دمج المخاطر المناخية بصورة منهجية في عمليات تخصيص الأصول، سواء من خلال نماذج السيناريوهات أو استخدام أدوات التحوط المناخية، مع التركيز على الفرص التي توفرها البنية التحتية المرنة وتقنيات التبريد وكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة المقترنة بالتخزين وأدوات التمويل المناخي، بما في ذلك سندات الكوارث والمشتقات المرتبطة بالمخاطر المناخية.
وأوضح شقير، أن المستثمرين في منطقة الخليج يمكنهم الاستفادة من الجمع بين الخبرة المحلية في التعامل مع البيئات الحارة والقدرة على الاستثمار في سلاسل القيمة العالمية للطاقة النظيفة، معتبرًا أن هذا المسار يتوافق مع أهداف التنويع الاقتصادي والاستثمار طويل الأجل، ويتيح للمنطقة لعب دور أكبر في تمويل الحلول المرتبطة بالتكيف والطاقة والمرونة.
واختتم رائد الاستثمار سامر شقير تصريحه بالتأكيد على أن الاستثمار الناجح في المرحلة المقبلة لن يقتصر على تجنب المخاطر المناخية، وإنما سيتطلب القدرة على اقتناص الفرص التي يخلقها التحول الهيكلي في تسعير الأصول والطلب المتزايد على المرونة.
