الجمعة 10 أبريل 2026 06:43 مـ 22 شوال 1447 هـ
المشرف العام محمد حلمي
رئيس التحرير محمد باهي
×

سامر شقير يتساءل.. كيف تحوَّل العمر الطويل في السعودية إلى منجم ذهب بتريليونات؟

الجمعة 10 أبريل 2026 01:00 مـ 22 شوال 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

ما يحدث اليوم في السعودية يتجاوز كونه إنجازًا صحيًّا أو رقمًا إحصائيًّا لافتًا، ليصبح مؤشرًا اقتصاديًّا عميقًا يُعيد تعريف العلاقة بين العمر والثروة.

عندما يقترب متوسط العمر المتوقع من 80 عامًا، فإننا لا نتحدث فقط عن حياة أطول، بل عن اقتصاد جديد بالكامل يتشكل أمام أعيننا، اقتصاد يُحوِّل السنوات الإضافية إلى فرص استثمارية بمليارات، بل تريليونات الدولارات.

خلال أقل من عقد، قفز متوسط العمر من 74 عامًا إلى 79.9 عامًا بنهاية 2025، وهو تسارع نادر عالميًّا، هذه القفزة لم تأتِ بشكل عشوائي، بل كانت نتيجة تحول استراتيجي مدروس ضمن Saudi Vision 2030، حيث تم التركيز على تحسين جودة الحياة، وتعزيز الرعاية الوقائية، وفتح المجال أمام الاستثمارات الصحية والتقنية.

لكن قراءة هذا الرقم بمعزل عن سياقه الاقتصادي تفقده أهميته الحقيقية.
كل سنة إضافية في حياة الإنسان تعني زيادة في الطلب على الخدمات الصحية، والأدوية، والتأمين، والرعاية طويلة الأجل، بمعنى آخر، السكان لا يعيشون لفترة أطول فقط، بل يشاركون في الاقتصاد لفترة أطول أيضًا، سواء كمستهلكين أو حتى كمنتجين في بعض الحالات، هذه المعادلة تخلق سوقًا ضخمة ومتنامية باستمرار.

إذا وضعنا هذا التحول في إطار عالمي، نجد أن المملكة تقترب من مستويات دول مثل سويسرا واليابان، التي استغرقت عقودًا طويلة للوصول إلى هذه المعدلات.

الفارق أن السعودية تحقق هذا التقدم بوتيرة متسارعة، ما يعني أن الفرص الاستثمارية تتشكل بسرعة أكبر، لكنها أيضًا تتطلب قرارات أسرع من المستثمرين.

السر وراء هذه القفزة يكمن في أربعة محركات رئيسية، أولها التحول نحو الرعاية الوقائية، حيث يتم التركيز على الكشف المبكر وتقليل الأمراض المزمنة، ما يرفع جودة الحياة ويطيل العمر.
ثانيها النمو السريع في التجارب السريرية، حيث أصبحت المملكة بيئة جاذبة للشركات العالمية، وهو ما يعزز من تطوير الأدوية والتقنيات الطبية محليًّا.

ثالثها الاعتماد المتزايد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، ما يُسرِّع التشخيص ويحسن كفاءة الخدمات الصحية.

أما المحرك الرابع فهو البيئة الاستثمارية المفتوحة، التي تجمع بين التشريعات المرنة والدعم الحكومي والشراكات الدولية.

من منظور استثماري، هذه العوامل مجتمعة لا تعني فقط نمو قطاع صحي تقليدي، بل ولادة ما يُعرف بـ"اقتصاد طول العمر"، هذا الاقتصاد لا يقتصر على المستشفيات أو الأدوية، بل يمتد ليشمل التكنولوجيا الحيوية، والصحة الرقمية، وخدمات الرعاية طويلة الأجل، وحتى التعليم الطبي والابتكار.

الفرص الحقيقية هنا غالبًا ما تكون في القطاعات التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، التكنولوجيا الحيوية، على سبيل المثال، تستفيد بشكل مباشر من توسع التجارب السريرية، بينما تمثل الصحة الرقمية أحد أسرع القطاعات نموًا، خاصة مع الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والتشخيص عن بُعد.

كذلك، فإن خدمات الرعاية المتخصصة، خصوصًا المرتبطة بأمراض الشيخوخة، تمثل سوقًا ضخمة في طور التشكُّل.

لكن كما هو الحال في أي تحول كبير، هناك جانب آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي، ارتفاع متوسط العمر يعني أيضًا زيادة في التحديات، مثل أمراض الشيخوخة والضغط على الأنظمة الصحية، هذه التحديات بحد ذاتها تمثل فرصًا استثمارية لمن يستطيع تقديم حلول مبتكرة، السوق لن تكافئ فقط مَن يستفيد من الطلب، بل مَن يسبق في حل المشكلات التي يخلقها هذا الطلب.

من هنا، فإن المستثمر الذكي لا ينظر إلى الأرقام الحالية فقط، بل إلى الاتجاهات طويلة المدى، الدخول المبكر في هذا القطاع، خاصة عبر شراكات استراتيجية أو استثمارات في الشركات الناشئة، قد يفتح الباب أمام عوائد استثنائية خلال السنوات المقبلة.

في النهاية، ما يحدث في السعودية ليس مجرد نجاح صحي، بل إعادة تشكيل لاقتصاد كامل حول مفهوم جديد: الحياة الأطول تعني اقتصادًا أكبر، هذا التحول يضع المملكة في موقع متقدم عالميًّا، ويخلق بيئة استثمارية فريدة من نوعها.

مَن يُدرك مبكرًا أن "العمر" لم يعد مجرد رقم، بل أصل اقتصادي قابل للاستثمار، سيكون في موقع أفضل لاقتناص الفرص المقبلة.