سامر شقير: شراكة السعودية وكندا تعيد توجيه رأس المال المؤسسي نحو البنية التحتية الرقمية
أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن الشراكة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية وكندا لتطوير قدرات حوسبة الذكاء الاصطناعي تمثل تحولاً مهماً في توجهات الاستثمار المؤسسي العالمي، مشيراً إلى أن مثل هذه المبادرات تعيد توجيه تدفقات رأس المال نحو البنية التحتية الرقمية باعتبارها الركيزة الأساسية للنمو المستدام في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
وأوضح سامر شقير أن الشراكة، التي تقودها شركة هيوماين بالتعاون مع شركة كوهير الكندية، تتضمن مشروعاً أولياً بقدرة حوسبية تبلغ 50 ميغاواط، وقد أُعلن عنها خلال زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى المملكة ضمن حزمة أوسع من الاتفاقيات التي تشمل الاستثمار وتنمية المهارات، مؤكداً أن هذه الخطوة تمثل استجابة عملية لسباق عالمي متسارع لتأمين القدرات الحوسبية اللازمة لتطوير وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وأضاف سامر شقير أن المستثمرين المؤسسيين ينظرون إلى هذا النوع من الشراكات باعتباره نموذجاً يجمع بين المزايا التنافسية التي تمتلكها دول الخليج في مجالي الطاقة ورأس المال، وبين الخبرات البحثية والتكنولوجية المتقدمة التي تمتلكها الدول الصناعية، وهو ما قد يعيد تشكيل تدفقات الاستثمار المؤسسي نحو مشاريع البنية التحتية الرقمية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
وأشار سامر شقير إلى أن الاقتصاد العالمي يواجه اليوم قيداً هيكلياً جديداً يتمثل في محدودية القدرة الحوسبية والطاقة الكهربائية اللازمة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق، موضحاً أن هذه الشراكة تكتسب أهمية خاصة لأنها تجمع بين رأس المال السيادي والطاقة من جانب، والخبرة البحثية والتكنولوجية من جانب آخر، بما يوفر نموذجاً متكاملاً للاستثمار طويل الأجل.
وأكد سامر شقير أن هذا التطور يفرض على صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول وصناديق التقاعد إعادة النظر في استراتيجيات تخصيص المحافظ الاستثمارية، مع التركيز بصورة أكبر على الأصول المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، التي تستفيد من الطلب المستدام على الحوسبة، بدلاً من الاقتصار على الاستثمار في طبقة التطبيقات النهائية التي تتسم بتقلبات أعلى.
وأوضح سامر شقير أن التوسع السريع في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي أدى إلى زيادة غير مسبوقة في الطلب على القدرة الحوسبية، حتى أصبحت الطاقة الكهربائية تمثل العامل الأكثر تقييداً في سلاسل القيمة العالمية، مشيراً إلى أن العديد من الاقتصادات المتقدمة تواجه تحديات في شبكات الكهرباء وتأخيراً في توصيل الطاقة إلى مراكز البيانات الجديدة، في الوقت الذي تتنافس فيه الشركات العالمية على تأمين مصادر مستقرة للطاقة.
وأضاف أن المملكة تمتلك مزايا تنافسية واضحة تتمثل في توافر مصادر الطاقة بتكاليف تنافسية، وتوفر المساحات المناسبة لإنشاء مراكز البيانات، إلى جانب الدعم الحكومي المستمر في إطار رؤية السعودية 2030، بينما تتمتع كندا بمنظومة بحثية متقدمة في الذكاء الاصطناعي وشركات تمتلك خبرات واسعة في تطوير النماذج المتقدمة، وهو ما يجعل التعاون بين البلدين منطقياً من الناحيتين الاستراتيجية والاقتصادية.
وأشار سامر شقير إلى أن شركة هيوماين، بصفتها الكيان السعودي المكلف بتطوير القدرات السيادية في الذكاء الاصطناعي، تقود هذا المشروع بالتعاون مع شركة كوهير، حيث يتضمن الاتفاق إنشاء بنية تحتية حوسبية بقدرة أولية تبلغ 50 ميغاواط، وهو ما يوفر قاعدة عملية لاستضافة أعباء العمل المتقدمة داخل المملكة.
وأضاف أن الإعلان عن المشروع خلال زيارة رسمية رفيعة المستوى يمنح الشراكة بعداً حكومياً يعزز الثقة في استمرارية التعاون ويحد من المخاطر التنفيذية، كما يسهم في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاع التكنولوجيا، وتسريع عمليات نقل المعرفة، ودعم برامج إعداد الكفاءات الوطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.
وأكد سامر شقير أن هذا النوع من الشراكات يتيح للمستثمرين المؤسسيين فرصة لتخصيص رؤوس الأموال في أصول تجمع بين النمو الهيكلي لقطاع الذكاء الاصطناعي والاستقرار المؤسسي الذي تتمتع به الاقتصادات الخليجية، موضحاً أن الاستثمار في طبقة البنية التحتية للحوسبة والطاقة يوفر ملفاً استثمارياً أكثر توازناً من حيث المخاطر مقارنة بالاستثمار المباشر في شركات التطبيقات، التي تتسم بدورات تنافسية أسرع ومستويات أعلى من التقلب.
وأضاف أن نجاح هذه المبادرات سيعتمد على مدى تكاملها مع بقية مشاريع رؤية السعودية 2030، ولا سيما في مجالات المدن الذكية، ورفع الإنتاجية في القطاعات الاقتصادية التقليدية، وتعزيز الاقتصاد الرقمي بصورة شاملة.
وأشار سامر شقير إلى أن شركات الطاقة والمرافق السعودية قد تكون من أبرز المستفيدين من الطلب الإضافي المتوقع على الكهرباء، في حين تفتح هذه الشراكة المجال أمام صناديق الاستثمار الخاص ورأس المال المغامر للاستثمار في شركات ناشئة تستفيد من هذه البنية التحتية لتطوير حلول محلية مبتكرة.
وأوضح سامر شقير أن الأسواق المالية قد تشهد أيضاً انعكاسات إيجابية على الشركات المدرجة المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية وقطاع الاتصالات، خاصة تلك التي ستشارك في تنفيذ أو تشغيل مشاريع مماثلة خلال السنوات المقبلة.
وأكد أن أبرز الفرص الاستثمارية تتمثل في إمكانية توسيع القدرة الحوسبية في مراحل لاحقة، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة قطاع الطاقة السعودي، إلى جانب تطوير نماذج متخصصة باللغة العربية تلبي احتياجات الأسواق الإقليمية.
وفي المقابل، شدد سامر شقير على أهمية إدارة المخاطر التشغيلية والتنظيمية، محذراً من احتمالات تأخر تنفيذ المشاريع الكبرى نتيجة تعقيدات سلاسل التوريد أو إجراءات الموافقات، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالتغيرات التنظيمية الخاصة بتصدير التقنيات المتقدمة ومتطلبات أمن البيانات.
وأضاف أن بناء قدرات وطنية حقيقية في تطوير الخوارزميات والتطبيقات يمثل ضرورة استراتيجية لضمان عدم الاعتماد الكامل على الشركاء الخارجيين على المدى الطويل، مشيراً إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية التقنية.
وأوضح سامر شقير أن المستثمرين سيركزون خلال الاثني عشر شهراً المقبلة على متابعة الإعلانات المتعلقة بالجداول الزمنية لنشر القدرة الحوسبية الجديدة، والعقود الخاصة بتوريد المعدات المتخصصة، إضافة إلى أي استثمارات مشتركة من جانب صندوق الاستثمارات العامة أو الشركاء الدوليين.
وأضاف أنه على مدى ثلاث إلى خمس سنوات سيكون المؤشر الأهم هو معدلات الاستخدام الفعلي للقدرة الحوسبية الجديدة ومدى مساهمتها في زيادة الناتج المحلي غير النفطي، بينما قد تسهم هذه الشراكة، على مدى عشر سنوات، في ترسيخ مكانة المملكة كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي، شريطة استمرار الاستثمار المنسق في التعليم، والأطر التنظيمية، والبحث والتطوير.
واختتم سامر شقير تصريحه بالتأكيد على أن النجاح الحقيقي لهذه المبادرات لن يقاس بحجم الاستثمارات أو القدرة الحوسبية التي يتم بناؤها فقط، وإنما بقدرة هذه البنية التحتية على التحول إلى محرك مستدام للابتكار ورفع الإنتاجية الاقتصادية، بما يعزز تنافسية المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
