الأربعاء 18 فبراير 2026 12:35 صـ 29 شعبان 1447 هـ
المشرف العام محمد حلمي
رئيس التحرير محمد باهي
×

شفرة الأصول: لماذا تتحدث السندات بصدق بينما تصمت الأسهم؟

الثلاثاء 17 فبراير 2026 11:49 صـ 29 شعبان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في مشهد الأسواق العالمية اليوم، لا تتحرك الأصول بشكل منفصل، بل ضمن شبكة مترابطة تُعرف في غرف التداول باسم "شريط الأصول" (Cross-Asset Tape). قراءة هذا الشريط تكشف حالة من الترقب الحذر وإعادة تسعير مستمرة بفعل السيولة والسياسة النقدية وتوقعات النمو.

فهل تخبرنا السندات بالحقيقة التي تتجاهلها الأسهم؟ ولماذا يبدو أن بعض الأصول تهمس بينما أخرى تلتزم الصمت؟

الأسهم العالمية: صعود بلا محفزات قوية وقلق ياباني متصاعد

تشهد الأسهم العالمية ارتفاعًا طفيفًا يميل إلى الاستقرار، لكنه يفتقر إلى المحرك الجوهري الواضح. في أوروبا، يواصل القطاع المصرفي دعم المؤشرات، بينما تتعرض اليابان لضغوط بعد صدور بيانات نمو محبطة.

تجربة عام 2013 خلال ما عُرف بـ"نوبة تقليص التحفيز" (Taper Tantrum) لا تزال حاضرة في الأذهان؛ إذ لم تكن المشكلة في طبيعة الأخبار، بل في سرعة إعادة تسعير أسعار الفائدة. عندما ترتفع العوائد، يتغير معيار التقييم، ويصبح المؤشر القياسي (Benchmark) هو الحكم الفاصل بين صعود حقيقي وفقاعات مؤقتة.

تحرك العوائد يعني ببساطة إعادة تعريف قيمة كل أصل مالي.

السندات الأمريكية: مصل الحقيقة الذي لا يجامل الأسواق

في عالم الاستثمار الاحترافي، تبدأ القراءة دائمًا من سوق السندات، وتحديدًا عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، الذي يتحرك حاليًا قرب مستوى 4.05%.

السندات تُعرف بين المتداولين بأنها "مصل الحقيقة" (Truth Serum)، لأنها تكشف التوقعات الحقيقية للتضخم والنمو والسياسة النقدية قبل أن تستجيب الأسهم.

وكما قال Stanley Druckenmiller:

"لا تعاند سوق الفائدة."

ارتفاع العائد يعني ارتفاع معدل الخصم (Discount Rate)، وهو ما يضغط مباشرة على تقييمات أسهم النمو والتكنولوجيا. فالسندات تفرض "سعر الزمن" على الجميع، ومن يتجاهل إشاراتها كمن يبحر بلا بوصلة.

الدولار الأمريكي: عندما يتحول الإجماع إلى خطر

يتحرك مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) قرب مستوى 97.07، لكن الأهم من الرقم هو "التموضع" (Positioning). تشير التقارير إلى أن مديري الصناديق في حالة تشاؤم مرتفعة تجاه الدولار، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو معاكس.

هنا نستحضر نظرية "الانعكاسية" لصاحبها George Soros، مؤلف كتاب خيمياء التمويل، والذي يرى أن الأسواق لا تعكس الواقع فقط، بل تصنعه أيضًا عبر تدفقات الأموال.

عندما يتكدس الجميع في اتجاه واحد، يصبح السوق مهيأً لارتداد مفاجئ (Short Squeeze) بمجرد صدور بيانات مخالفة للتوقعات. الإجماع المفرط غالبًا ما يكون إشارة تحذير لا طمأنينة.

النفط وأوبك+: سوق تحركه العناوين

يتداول خام برنت قرب 68.65 دولارًا، وسط ترقب لقرارات تحالف OPEC+ وتطورات المشهد الجيوسياسي بين واشنطن وطهران.

النفط يبقى بوصلة التضخم العالمية، وأي تغير في المعروض أو التوترات السياسية ينعكس سريعًا على الأسعار.

وينطبق هنا قول Paul Tudor Jones مؤسس شركة Tudor Investment:

"لا تراهن على توقع الخبر، بل راهن على إدارة المخاطر حوله."

في أسواق النفط، يمكن أن يتحول الهدوء إلى انفجار سعري خلال ساعات، خاصة عندما تصبح العناوين الإخبارية هي المحرك الأساسي للعرض والطلب.

الخلاصة: السوق في حالة إعادة ضبط

تكشف قراءة شريط الأصول أن الأسواق تمر بمرحلة "إعادة ضبط" (Re-calibration).
الأسهم قد ترتفع، لكن السندات تُحدد الثمن الحقيقي للزمن.
الدولار قد يضعف ظاهريًا، لكن التموضع قد يهيئ لارتداد مفاجئ.
النفط قد يهدأ، لكن الجيوسياسة تبقيه في حالة تأهب دائم.

المستثمر الذكي لا يكتفي بمراقبة الشاشة، بل يراقب منطق الحركة خلفها، ويقرأ العلاقة بين الأصول لا كل أصل على حدة.