السبت 12 سبتمبر 2026 03:03 مـ 29 ربيع أول 1448 هـ
رئيس التحرير محمد حلمي
×

سامر شقير: مترو القاهرة يُعيد هندسة تمويل البنية التحتية ويُعيد توزيع مخاطر الدولار

السبت 12 سبتمبر 2026 10:32 صـ 29 ربيع أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن اعتزام مصر طرح مناقصة دولية في 2027 للأعمال التخصصية في المرحلة الثانية من الخط الرابع لمترو القاهرة، بتكلفة استثمارية تقدر بنحو 4.5 مليار دولار، يعكس تحولًا في طريقة تمويل البنية التحتية أكثر من كونه مجرد توسعة لشبكة النقل.
وأوضح شقير أن إسناد الأعمال المدنية إلى تحالف مصري يضم «المقاولون العرب» و«أوراسكوم للإنشاءات» و«بتروجيت» و«حسن علام» و«كونكورد»، مقابل طرح الأنظمة الكهروميكانيكية والسكة والقطارات دوليًّا، يفصل بين الإنفاق المحلي والمكوّن المستورد، ويخفف الضغط على العملة الأجنبية.
وأضاف شقير: «عندما تُسند الحكومة الحفر والمحطات إلى شركات محلية وتُبقي الأنظمة والقطارات في مناقصة دولية، فهي تحوّل المشروع من التزام دولار كامل إلى محفظة مختلطة، وهذا يغيِّر تسعير المخاطر السيادية للبنية التحتية، لأنه يفصل مخاطر التنفيذ المحلي عن مخاطر الاستيراد والتمويل الخارجي».

المترو كأصل إنتاجي
يمتد الخط الرابع في مرحلته الأولى لنحو 19 كيلومترًا عبر 17 محطة، فيما تمتد المرحلة الثانية من الفسطاط إلى القاهرة الجديدة لنحو 26.9 كيلومترًا وتضم 21 محطة، منها 15 نفقية و6 علوية.
وتقترب المرحلة الأولى من التشغيل الجزئي مطلع 2027، بينما تستهدف الشبكة الأوسع ربط غرب القاهرة بشرقها، مع إمكانات ربط لاحقة بالعاصمة الإدارية ومطارها.
ويرى سامر شقير أن أهمية المشروع لا تتوقف عند نقل الركاب، إذ تستهدف منظومة الخطوط الجديدة تخفيف الضغط عن شبكة القاهرة التي تنقل نحو 3.6 ملايين راكب يوميًّا، وتحويل جزء من تكلفة الازدحام إلى إنتاجية حضرية.
وقال شقير: إن كل راكب ينتقل من الطريق إلى القضبان يعيد توزيع الطلب بين الوقود والسيارات والتأمين والخدمات اللوجستية والعقارات المحيطة بالمحطات، خصوصًا مع مرور المرحلة الثانية بمناطق مصر القديمة ومدينة نصر والقاهرة الجديدة.

فصل الدولار عن الإنشاء
لا تغطي المناقصة الدولية المرتقبة المشروع بأكمله، بل تركز على الأنظمة والقطارات والأعمال المرتبطة بها، بينما تتحمل الشركات المصرية الأعمال المدنية، ويعكس هذا الهيكل محاولة لزيادة حصة المدفوعات المحلية وتقليل الحاجة إلى تدفقات دولارية مباشرة.
وتُموَّل المرحلة الأولى عبر شرائح ميسرة من «جايكا» بشروط طويلة الأجل وفائدة منخفضة، مع اشتراطات تقنية مرتبطة بالموردين اليابانيين، ومن بينهم «ميتسوبيشي» لتوريد وحدات متحركة.
وأشار سامر شقير إلى أن المنافسة في مناقصة 2027 لن تحسمها تكلفة المعدات فقط، بل قدرة المورد على الجمع بين التكنولوجيا والتمويل الميسر والتوطين، مضيفًا: «الحكومة لا تشتري قطارات وأنظمة فقط، بل تشتري جدولة نقدية طويلة الأجل».
أين يتحرك رأس المال؟
يرى سامر شقير أن المشروع يفتح ثلاثة مسارات استثمارية. الأول هو شركات المقاولات المصرية، التي تحصل على دفاتر أعمال طويلة الأجل، لكن في المقابل تواجه مخاطر التضخم وتكلفة المواد وتأخر التحصيل.
والثاني هو التمويل السيادي والتنموي، حيث توفر القروض الميسرة تكلفة أقل من التمويل التجاري، لكنها ترتبط بشروط تقنية ومراجعات دورية، ما يجعل انتظام المرحلة الأولى مؤشرًا مهمًا لشهية تمويل المرحلة الثانية.
أما المسار الثالث فيتمثل في العقارات والخدمات اللوجستية حول المحطات، إذ إن ربط الفسطاط بالقاهرة الجديدة قد يعزز الطلب على التطوير المنظم ومراكز الخدمات والتوزيع الحضري، بدلًا من المضاربة قصيرة الأجل على الأراضي غير المرتبطة بشبكة نقل فعالة.

مخاطر التنفيذ والتشغيل
يحذر المستثمرون من فجوة محتملة بين الجداول الزمنية الرسمية والقدرة على تنفيذ مشروعات ضخمة داخل بيئة حضرية مكتظة، إضافة إلى مخاطر تغير سعر الصرف وتضخم تكلفة المعدات وتأخر المناقصة أو التمويل.
كما تمثل طبيعة المسار، الذي يمر بنسيج عمراني وتراثي حساس، تحديات جيوتقنية وتخطيطية قد تؤثر في سرعة الحفر والتنفيذ.
ويرى سامر شقير أن المخاطر تمتد إلى مرحلة ما بعد الإنشاء، قائلًا: «المستثمر طويل الأجل لا يسأل فقط إن كان المترو ضروريًّا، بل يسأل مَن يتحمل مخاطر الصرف، ومن يملك التدفق النقدي بعد التشغيل، وهل تتحول المحطة إلى أصل يرفع إنتاجية المدينة أم إلى التزام صيانة».

أثر يتجاوز قطاع النقل
تمتد استفادة المشروع إلى الأسمنت والحديد والكيماويات الإنشائية، إضافة إلى شركات الإشارات والاتصالات والأنظمة الكهربائية، مع إمكانية توطين جزء من أعمال الصيانة وقطع الغيار ونقل المعرفة التقنية.
كما تفتح أنظمة التذاكر والمراقبة والتشغيل الذكي مجالًا أمام شركات البرمجيات والبيانات التشغيلية، بينما يمكن أن تستفيد المناطق المحيطة بالمحطات من ارتفاع النشاط التجاري والخدمي.
وخليجيًّا، يرى سامر شقير أن تجربة القاهرة تنتمي إلى الاتجاه نفسه الذي يدفع السعودية إلى الاستثمار في شبكات النقل الجماعي ضمن رؤية 2030، وإن اختلفت ظروف التمويل، قائلًا: إن الفكرة الاستثمارية المشتركة هي أن «مَن يمول الأصول التي تخفض زمن التنقل يشتري إنتاجية، لا مجرد خرسانة».

الاختبار الحقيقي يبدأ قبل 2027
بحلول موعد الطرح، ستراقب الأسواق ثلاثة مؤشرات رئيسية: تشغيل المرحلة الأولى وفق الجدول، قدرة التحالف المصري على السيطرة على تكاليف التنفيذ، وحجم التمويل الميسر الذي سيصاحب عروض القطارات والأنظمة.
واختتم سامر شقير بأن القيمة الاستثمارية للمشروع لن تتحدد عند توقيع العقد، بل بعد التشغيل وقدرته على خفض تكلفة التنقل وتحسين إنتاجية المدينة وتقليل الضغط على العملة الأجنبية.
وقال شقير: «الأصل الجيد هو ما يخفض احتياج الدولة إلى الدولار ويرفع إنتاجية المدينة في الوقت نفسه، ومترو القاهرة يختبر هذا المعيار علنًا؛ ومن يقرأ المناقصة بوصفها عقد إنشاء فقط سيخطئ التسعير، بينما مَن يقرأها بوصفها إعادة هندسة لتدفقات العملة والمخاطر سيحدد مبكرًا أين يجب أن يقف رأس المال المؤسسي».