سامر شقير: لماذا لا يتصرف مديرو الصناديق مثل المستثمرين الأفراد في سوق الأسهم السعودي؟
هناك افتراض شائع في الأسواق المالية بأن المستثمر، سواء كان فردا أو مؤسسة، يقع تحت تأثير نفسي واحد عندما ترتفع قيمة محفظته أو تتراجع: يسارع إلى بيع السهم الرابح، ويتمسك بالسهم الخاسر أملا في استعادة سعر الشراء.
هذا السلوك يعرف في الأدبيات المالية باسم «أثر التصرف»، وقد صاغ شفرين وستاتمان فكرته، ثم قاسها أودين باستخدام بيانات حسابات وساطة أميركية. لكن البيانات الفعلية من السوق السعودي تفتح بابا مختلفا: نوع الحساب قد يكون أكثر أهمية من جنسية المستثمر عند تفسير قرارات البيع.
الصناديق قد تفعل العكس تماما
في أطروحة دكتوراه قدمها عمر العرفج عام 2025 في جامعة ريدينغ، جرى تحليل سجلات تداول يومية خلال الفترة من 2019 إلى 2021 لفئتين مختلفتين: كبار المستثمرين الأفراد لدى شركات الوساطة، ومديري صناديق الأسهم.
الاختبار ركز على موسمين شديدي الاختلاف، هما شهر رمضان وفترة جائحة كورونا، بهدف معرفة ما إذا كان أثر التصرف يظهر بالطريقة نفسها لدى الفئتين.
النتيجة الأكثر إثارة أن مديري صناديق الأسهم أظهروا ميلا مستقرا إلى تحقيق الخسائر قبل المكاسب، أي سلوكا معاكسا للنمط التقليدي لأثر التصرف.
أما حسابات الوساطة الخاصة بكبار المستثمرين الأفراد، فلم تقدم دليلا على تفضيل واضح ومستمر لتحقيق أحد النوعين من المراكز.
هذه النتيجة تغير طريقة قراءة السلوك الاستثماري في سوق الأسهم السعودي. فلا يمكن افتراض أن الأموال المختلفة الموجودة في السوق تتخذ قرارات البيع بالطريقة نفسها.
بيع الخاسر قد يكون انضباطا وليس خطأ
إذا كان مدير صندوق يتخلص من المركز الخاسر بسرعة أكبر من السهم الرابح، فقد يكون ذلك أقرب إلى تطبيق قاعدة واضحة لوقف الخسارة بدلا من انتظار عودة السهم إلى نقطة التعادل.
لكن لا ينبغي تفسير هذه النتيجة باعتبارها دليلا على عقلانية الصناديق بصورة مطلقة. فقد يكون السلوك مرتبطا بتفويضات الاستثمار، أو حدود المخاطر الداخلية، أو قواعد إدارة المحافظ، أو حتى قرارات مرتبطة بتوقيت التقارير وتجميل النتائج.
المهم أن النتيجة تكسر تعميما كثيرا ما يرد في النقاشات المالية: ليس كل مستثمر في السوق السعودي محكوما بالتحيز النفسي نفسه.
وإذا تأكد هذا النمط في فترات زمنية أطول، فإن الحديث عن النفور من الخسارة ينبغي أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الحساب والاستراتيجية، وليس السوق أو جنسية المستثمر فقط.
رمضان لم يغير السلوك.. كورونا فعل
الجانب الآخر من الدراسة أكثر أهمية مما قد يبدو للوهلة الأولى.
تحليل فترة رمضان لم يجد تأثيرا معنويا على التداول المرتبط بأثر التصرف في نموذج الحدث اللوحي. بمعنى آخر، لم تظهر الأدلة أن الموسم الديني غيّر بصورة واضحة نمط تحقيق المكاسب والخسائر.
في المقابل، أحدثت جائحة كورونا تغيرا في أنماط الفئتين.
وهنا تظهر قيمة النتيجة: الصدمات الكبيرة التي تعيد تشكيل السيولة والمعلومات ومستوى عدم اليقين قد تكون أكثر قدرة على تغيير القرارات الاستثمارية من العامل الزمني أو الموسمي.
بالنسبة للمستثمر، الاختبار الحقيقي لاستراتيجية البيع لا يحدث في شهر محدد، وإنما عندما تتعرض الأسواق لضغط استثنائي.
أما بالنسبة للجهات المنظمة، فإن النصائح التقليدية من نوع «لا تبع السهم الرابح مبكرا» قد لا تصل بالدرجة نفسها إلى جميع شرائح المتعاملين، بينما قد تحتاج الصناديق إلى مراقبة خطر مختلف: أن يتحول قطع الخسائر إلى عمليات تدوير مفرطة للمحفظة.
لا يجوز تحويل دراسة محدودة إلى قانون للسوق
مع ذلك، فإن قراءة النتائج تحتاج إلى قدر من الحذر.
الفترة التي جرى تحليلها، من 2019 إلى 2021، تضمنت الصدمة الاستثنائية لجائحة كورونا. كما أن العينة شملت كبار عملاء شركات الوساطة، وليست جميع الحسابات النشطة في السوق.
إضافة إلى ذلك، فإن البحث عبارة عن أطروحة دكتوراه لم تتحول بعد إلى ورقة محكمة مستقلة تتيح إعادة اختبار جداولها اعتمادا على إفصاحات عامة.
وهذا يجعلها دليلا أقوى من الاستبيانات لأنها تستند إلى أوامر تداول فعلية، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بتعميم النتيجة على السوق السعودي بأكمله.
نوع المستثمر قد يحدد القرار أكثر من المزاج
ما أراه أكثر أهمية للمستثمر هو الانتقال من سؤال: «هل يعاني المستثمر السعودي من أثر التصرف؟» إلى سؤال أكثر دقة: أي مستثمر؟ وأي حساب؟ وأي ظروف سوقية؟
المؤشر الذي يستحق المتابعة هو متوسط فترة الاحتفاظ بالمراكز الرابحة مقارنة بالخاسرة داخل كل فئة.
إذا تقلص الفارق لدى المستثمرين الأفراد، بينما اتجهت الصناديق بصورة أكبر إلى التخلص من المراكز الخاسرة، فسيكون ذلك دليلا على أن البنية المؤسسية وقواعد إدارة المخاطر تلعب دورا في تشكيل القرار الاستثماري.
أما إذا انعكس الاتجاه، فستحتاج فرضية الانضباط المؤسسي نفسها إلى إعادة تقييم.
في النهاية، لا يوجد «سلوك سعودي» واحد في سوق الأسهم. هناك أفراد وصناديق، استراتيجيات مختلفة، تفويضات متعددة، وقرارات تتغير عندما تتغير البيئة.
المستثمر الذي يقلد سرعة بيع صندوق من دون فهم قواعده، أو ينسخ طريقة مستثمر فرد من دون معرفة أفقه، لا ينقل استراتيجية استثمارية؛ بل ينقل قرارا خارج سياقه.
