سامر شقير يكتب.. الانحياز المحلي: حين تتحول معرفة السوق إلى تركّز استثماري
تبدو معرفة السوق المحلي في ظاهرها ميزة استثمارية واضحة؛ فالمستثمر الذي يعرف الشركات والقطاعات والبيئة الاقتصادية المحيطة به يمتلك معرفة يصعب على المستثمر الخارجي اكتسابها بالسرعة نفسها، لكن هذه الميزة تفقد جزءًا من قيمتها عندما تتحول المعرفة إلى مبرر لرفع الوزن المحلي إلى مستويات تتجاوز ما تفرضه العوائد والمخاطر.
هنا يبدأ الفارق بين اختيار بنك لأن أساسياته مقنعة، وبين بناء محفظة تضم البنك نفسه إلى جانب مؤسسات مالية مشابهة وعقار ممول منه، بحيث تصبح عناصرها المختلفة انعكاسًا للدورة الاقتصادية ذاتها، المشكلة في الحالة الثانية ليست عدد الاستثمارات، وإنما مقدار ارتباطها بالمصدر نفسه للمخاطر.
عندما تتحول الألفة إلى انحياز
تكشف قراءة «مارمور» لصناديق الأسهم الخليجية عن تفاوت واضح في درجة الانكشاف المحلي، ففي العينة محل الدراسة، تجاوزت الأوزان الإضافية مقارنة بالمؤشر المرجعي 10 نقاط مئوية في صناديق السعودية والكويت، بينما تراوحت في الإمارات بين 5 و10 نقاط. وجاءت المستويات أقل في قطر وعُمان، في حين لم يظهر انحياز محلي في البحرين، بل كان الوزن دون مستوى السوق المحلية.
الصناديق التي ظهر لديها هذا الميل سجلت أداءً أدنى من مؤشرات المقارنة خلال سنة الرصد، لكن من الصعب تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة عامة؛ فالعينة محدودة والفترة الزمنية قصيرة، الأهم أن البيانات تقدم إشارة تستحق الانتباه: الألفة بالسوق لم تتحول، في تلك الفترة تحديدًا، إلى قيمة مضافة واضحة.
وهذا يضع المستثمر أمام سؤال أكثر أهمية من مجرد مقارنة العوائد: هل الوزن المحلي الإضافي قائم على فرصة يمكن قياسها، أم على معرفة تبدو مريحة لأنها مألوفة؟
شراء المؤشر لا يعني امتلاك اقتصاد متنوع
حتى المستثمر الذي يختار المؤشر المحلي بدل انتقاء الأسهم يظل أمام درجة مرتفعة من التركّز، ووفق بيانات «إم إس سي آي» في نهاية فبراير 2025، استحوذ القطاع المالي على أكثر من 57% من وزن مؤشر دول مجلس التعاون الخليجي المجمع، تلاه قطاع المواد بنحو 9% والطاقة بنحو 8.5%.
ولا يقتصر التركّز على القطاعات. فقد شكلت السعودية نحو 62% من المؤشر، مقابل 16.9% للإمارات و9.6% لقطر، وبذلك تستحوذ الأسواق الثلاثة على نحو 89% من الوزن الإجمالي.
هذه التركيبة قد توفر تنويعًا حقيقيًّا للمستثمر الموجود خارج المنطقة؛ إذ بلغ ارتباط أسهم دول المجلس بالأسواق المتقدمة والناشئة نحو 0.53 و0.52 على مدى عشرين عامًا حتى فبراير 2025، لكن الصورة تختلف بالنسبة إلى المستثمر الخليجي نفسه، انخفاض الارتباط بالأسواق العالمية لا يلغي الارتباط الداخلي بين البنوك والائتمان والإنفاق الحكومي والطاقة والمواد.
لذلك، فإن شراء السوق الخليجية لا يساوي شراء مجموعة واسعة من الاقتصادات المستقلة عن بعضها، في جانب كبير منه، هو تعرض لمجموعة من الميزانيات والدورات الاقتصادية التي تتقاطع في محركاتها الأساسية.
التصحيح لا يعني الهروب
ظهر هذا النقاش أيضًا مع زيادة تداول المستثمرين السعوديين في الأسهم الأمريكية، ففي تعليق خلال يونيو 2026، ارتبط ارتفاع التداول إلى نحو 241.9 مليار ريال في الربع الأول، بما يعادل 28.5% من تداولاتهم الخارجية، بفكرة إعادة توزيع الاستثمارات بدل النظر إلى الأسواق الخارجية باعتبارها بديلًا كاملًا عن الفرص المتاحة داخل المملكة.
وهذا التمييز مهم. تقليص الوزن المحلي عندما يصبح أكبر من المبرر لا يعني التخلي عن السوق السعودية، كما أن زيادة الانكشاف الخارجي لا تعني بالضرورة فقدان الثقة في الأصول المحلية، الأمر في جوهره يتعلق بإعادة ضبط توزيع المخاطر.
لكن إعادة التوازن ليست قرارًا بلا تكلفة. فالأسواق الخارجية تتطلب معرفة مختلفة، وتفرض اعتبارات تتعلق بالضرائب وقواعد الإدراج والاكتتاب والسيولة والبيئة التنظيمية، لذلك قد يكون الانتقال من التركّز المحلي إلى تنويع أوسع عملية تدريجية، وليس مجرد تحويل سريع للأموال بين سوقين.
الحرب قد تعيد تعزيز الميل إلى الداخل
تزداد المسألة تعقيدًا عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، ففي سبتمبر 2026، أشار بن باول من معهد بلاك روك للاستثمار إلى احتمال بقاء ما بين 50 و100 مليار دولار من رأس المال الخليجي داخل المنطقة بدل توجهه إلى الخارج، بفعل حالة عدم اليقين المرتبطة بحرب إيران.
هذه الأرقام تمثل سيناريو لإدارة الأصول وليست قياسًا مؤكدًا لتدفقات حدثت بالفعل. لكن حتى إذا تحقق جزء منها، فإن شكل الانحياز المحلي قد يتغير دون أن يختفي.
قد ينتقل المستثمر من الأسهم المدرجة إلى الملكية الخاصة أو الأصول المحلية أو الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الداخلي، بدافع الرغبة في الاحتفاظ برأس المال داخل المنطقة خلال فترات عدم اليقين، غير أن تغير الأداة لا يعني بالضرورة تغير مصدر المخاطر.
فالاستثمار الخاص المحلي قد يوفر خصائص مختلفة عن الأسهم المتداولة، لكنه يظل مرتبطًا، بدرجات متفاوتة، بدورة الإنفاق والنشاط الاقتصادي نفسها، فضلًا عن أن الخروج منه عادة أقل سهولة، وبالتالي، لا يكفي عدّ الأصول أو الشركات لإثبات وجود تنويع حقيقي؛ المطلوب معرفة ما إذا كانت مصادر المخاطر نفسها قد تنوعت.
المعيار الحقيقي هو سبب الوزن
من هنا يصبح تقييم الانحياز المحلي أكثر دقة عندما ينتقل من سؤال «كم أملك محليًّا؟» إلى سؤال «لماذا أملك هذه النسبة؟».
إذا كان ارتفاع وزن الماليات السعودية، مثلًا، قائمًا على توقعات محددة بشأن العائد أو جودة الائتمان أو تقييمات الأسهم، فذلك موقف استثماري يمكن اختباره، أما إذا كان الدافع الأساسي هو سهولة فهم الشركات أو القرب من السوق، فإن المعرفة وحدها لا تكفي لتبرير زيادة الانكشاف.
يمكن متابعة ذلك عبر عدة مؤشرات: الفارق بين أوزان الصناديق ومؤشراتها المرجعية، واستقرار حصة التداول الخارجي عبر فترة أطول بدل الاعتماد على ربع واحد، وكذلك اتجاه التدفقات السيادية عندما تتراجع علاوة المخاطر الجغرافية.
الاختبار الأكثر دلالة يأتي مع تغير الظروف، فإذا بقي الوزن المحلي مرتفعًا بعد تراجع العوامل التي كانت تبرر علاوة المخاطر، فقد يكون ما يبدو تحوطًا مجرد استمرار لانحياز سابق، وبالمقابل، إذا تراجع الاستثمار الخارجي سريعًا مع أول موجة هبوط في الأسواق العالمية، فقد تكون محاولة تقليص الانكشاف المحلي قد استبدلت بانحياز آخر.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في الاستثمار المحلي بحد ذاته. السوق التي يفهمها المستثمر جيدًا يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا للفرص، الخطر يبدأ عندما تتحول المعرفة إلى ثقة زائدة، وعندما يصبح القرب من الأصل سببًا لامتلاكه أكثر مما تبرره خصائصه الاستثمارية.
التنويع الحقيقي لا يقاس بعدد الأسماء في المحفظة، ولا بعدد الأسواق التي تظهر في كشف الحساب، بل بمدى اختلاف مصادر العائد والمخاطر التي تقف خلف تلك الأصول.
