الخميس 29 أكتوبر 2026 06:29 مـ 17 جمادى أول 1448 هـ
رئيس التحرير محمد حلمي
×

سامر شقير يكتب: هل يمول الدين طموحات رؤية 2030؟

الخميس 29 أكتوبر 2026 11:31 صـ 17 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أرى أن تقديرات مؤسسة «جيفريز» بإمكانية جمع السعودية ما بين 10 و12 مليار دولار من أسواق الدين الدولية قبل نهاية 2026 تعكس استمرار قدرة المملكة على الوصول إلى التمويل الخارجي، رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، لكن الأهمية الاستثمارية لهذا التوجه لا تتعلق بحجم الاقتراض وحده، بل بكيفية توظيفه، وقدرة الإنفاق الممول بالدين على دعم النمو غير النفطي وتعزيز العوائد الاقتصادية على المدى الطويل.
وبحسب التقديرات الواردة، جمعت المملكة نحو 14.75 مليار دولار من أسواق الدين منذ بداية العام، فيما ظلت هوامش العائد على ديونها السيادية متماسكة نسبيًّا خلال أكتوبر، وأرى أن هذا الأداء يشير إلى استمرار ثقة المستثمرين في الجدارة الائتمانية السعودية، لكنه لا يعني تجاهل تطورات العجز المالي أو تكلفة التمويل أو قدرة السوق على استيعاب إصدارات إضافية.

 التمويل الخارجي بين احتياجات الميزانية واستدامة النمو
تتضمن خطة الاقتراض السنوية احتياجات تمويلية تقدر بنحو 217 مليار ريال، تشمل تغطية العجز وسداد قرابة 52 مليار ريال من أصل الدين المستحق، مع استهداف تمويل ما بين 25% و30% من الاحتياجات عبر الأسواق الدولية.
في تقديري، يمنح تنويع مصادر التمويل الحكومة مرونة أكبر في إدارة الالتزامات المالية والحفاظ على استمرارية المشروعات الاستراتيجية، لكن الاختبار الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين توفير السيولة اللازمة للإنفاق، والمحافظة على مسار مستدام للدين العام، خصوصًا إذا جاءت مستويات العجز أعلى من المستهدفات الأولية.
ولا أرى أن الاقتراض يمثل في حد ذاته مؤشرًا سلبيًّا أو إيجابيًّا؛ فالحكم الاستثماري يتوقف على طبيعة الإنفاق الممول به، عندما يوجه التمويل إلى مشروعات ترفع الإنتاجية وتدعم النشاط الخاص وتولد إيرادات مستقبلية، يمكن أن يصبح الدين أداة لتعزيز النمو، أما إذا اتسع الاقتراض دون تحسن موازٍ في كفاءة الإنفاق، فقد ترتفع تكلفة خدمة الدين وتتقلص المرونة المالية مستقبلًا.

 شهية المستثمرين تختبر الإصدارات الجديدة
أرى أن التماسك النسبي لهوامش العائد على الديون السيادية السعودية يمنح المملكة مساحة للتحرك في الأسواق الدولية، لكنه لا يضمن بقاء تكلفة الاقتراض عند مستوياتها الحالية، فزيادة المعروض من السندات والصكوك قد تدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى، خاصة إذا تزامنت الإصدارات مع تقلبات الأسواق أو ارتفاع تكاليف التمويل العالمية.
ومن منظور تخصيص رأس المال، تظل أدوات الدين السعودية جديرة بمتابعة المستثمرين المؤسسيين الباحثين عن التعرض للأسواق الخليجية، مع ضرورة تقييم آجال الاستحقاق والعائد ومخاطر السيولة والتغيرات المحتملة في هوامش التسعير، وأفضل في هذه البيئة التركيز على الإصدارات التي تقدم عائدًا مناسبًا للمخاطر، بدلًا من اتخاذ قرارات الشراء استنادًا إلى التصنيف الائتماني وحده.
كما أن استخدام مصادر تمويل محلية وخارجية بصورة متوازنة يظل عاملًا مهمًا في إدارة السيولة، فزيادة الاعتماد على السوق المحلية قد ترفع المنافسة على التمويل المتاح للقطاع الخاص، بينما يتيح الاقتراض الدولي توسيع قاعدة المستثمرين، وإن كان يعرض تكلفة التمويل لتقلبات الأسواق العالمية.

 البنية التحتية واللوجستيات في قلب تخصيص رأس المال
في تقديري، ينبغي قياس أثر الاقتراض المتوقع من خلال القطاعات التي ستستفيد من الإنفاق الحكومي، ومدى قدرتها على تحويل الاستثمارات إلى نشاط اقتصادي مستدام، وتبرز البنية التحتية اللوجستية والموانئ والنقل والاتصالات ضمن المجالات التي يمكن أن تدعم حركة التجارة وترفع كفاءة سلاسل الإمداد وتفتح فرصًا جديدة أمام الشركات الخاصة.
ويتوافق هذا التوجُّه مع أهداف رؤية السعودية 2030 في تنويع مصادر النمو وتعزيز دور القطاع الخاص، لكن الاستفادة الاستثمارية لا تتحقق بمجرد الإعلان عن المشروعات أو تخصيص الأموال لها؛ بل ترتبط بسرعة التنفيذ، وكفاءة التشغيل، وحجم الطلب الفعلي، وقدرة الأصول الجديدة على توليد إيرادات تغطي تكاليفها وتدعم استدامتها المالية.
ولهذا أرى أن المستثمر المؤسسي يحتاج إلى التمييز بين الشركات التي تستفيد مباشرة من الإنفاق الرأسمالي، وتلك التي تعتمد على توقعات نمو بعيدة المدى، فوضوح العقود والتدفقات النقدية ومصادر الإيرادات يمنح فرص الاستثمار المرتبطة بالبنية التحتية أساسًا أكثر صلابة لتقييم العائد والمخاطر.
 العجز والسيولة.. نقطتا المراقبة في المرحلة المقبلة
لا يمكن فصل توسع الاقتراض عن تأثيره المحتمل في السيولة المحلية وتكلفة التمويل، فالسحب من الودائع الحكومية أو زيادة احتياجات القطاع العام التمويلية قد يؤثران في أوضاع السيولة المصرفية، بحسب حجم التدفقات وتوقيتها ومصادر التعويض عنها.
وأرى أن متابعة العجز الفعلي وتطور الدين العام وتكلفة خدمته ستظل ضرورية لتقييم قدرة المملكة على مواصلة تمويل المشروعات التحولية من دون ضغوط متزايدة على الاستقرار المالي، كما ستكون الميزانية المقبلة مؤشرًا مهمًا إلى مدى التوازن بين ضبط الإنفاق والمحافظة على الاستثمارات التي تدعم النمو طويل الأجل.

 الاقتراض ليس الهدف.. بل العائد الاقتصادي
في النهاية، أرى أن احتمال جمع السعودية ما بين 10 و12 مليار دولار إضافية من أسواق الدين قبل نهاية العام يمثل اختبارًا لقدرة المملكة على الحفاظ على وصولها إلى التمويل الدولي في بيئة إقليمية متقلبة، لكن المعيار الأهم سيظل قدرة الاقتصاد على تحويل هذا التمويل إلى إنتاجية أعلى ونمو غير نفطي مستدام.
وبالنسبة إلى المستثمرين المؤسسيين، تبرز الفرص في أدوات الدين ذات التسعير الجاذب، إلى جانب الشركات والقطاعات المرتبطة بمشروعات البنية التحتية والخدمات اللوجستية، غير أن الاقتناص الجيد لهذه الفرص يتطلب مراقبة دقيقة لمستويات العجز والسيولة وكفاءة الإنفاق؛ فاستدامة الثقة في الدين السيادي لا تعتمد على القدرة على الاقتراض فقط، بل على النتائج الاقتصادية التي يحققها هذا الاقتراض.