الخميس 29 أكتوبر 2026 06:28 مـ 17 جمادى أول 1448 هـ
رئيس التحرير محمد حلمي
×

سامر شقير يكتب: ديون الذكاء الاصطناعي تُهدد طفرة الاستثمار

الخميس 29 أكتوبر 2026 11:38 صـ 17 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قد لا تكون المشكلة الأكبر في طفرة الذكاء الاصطناعي هي نقص الطلب على التكنولوجيا، بل تراكم الديون اللازمة لتمويلها قبل أن تتحول الاستثمارات الضخمة إلى تدفقات نقدية قادرة على سدادها، ومن هنا، أرى أن أسواق الائتمان قد تصبح الاختبار الحقيقي لاستدامة هذه الطفرة، وأن جودة التمويل ستؤثر في قرارات المستثمرين المؤسسيين بقدر تأثير الابتكار وسرعة النمو.
بدأت أسواق الائتمان، في تقديري، تعيد تسعير المخاطر المرتبطة بالتوسع السريع في مراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية، ولم تعد المسألة تقتصر على الطلب المتزايد على قدرات الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى استدامة نماذج التمويل لدى شركات الحوسبة السحابية المتخصصة والشركات الكبرى، ويزداد التباين بين المؤسسات القادرة على تمويل توسعها من مواردها الذاتية وتلك التي تعتمد على الاقتراض بوتيرة متسارعة.

مخاطر التمويل تتجاوز الشركات الصغيرة
يعكس ارتفاع عوائد سندات بعض الشركات المتخصصة وزيادة تكلفة التأمين ضد التعثر مخاوف بشأن قدرة الإنفاق الرأسمالي الضخم على توليد إيرادات مستدامة، ففي حين تتمتع الشركات الكبرى صاحبة المنصات السحابية الراسخة بقدرة نسبية أفضل على الاقتراض، تواجه بعض الشركات التي تؤجر قدرات مراكز البيانات ضغوطًا ائتمانية أكبر بسبب اعتمادها على التمويل بالدين.
وأرى أن هذه الفجوة تؤكد أن المخاطر لا تشمل قطاع الذكاء الاصطناعي بالكامل بالدرجة نفسها، بل ترتبط بهياكل التمويل والقدرة على توليد النقد، كما أن استمرار الاقتراض دون تحسن كاف في العوائد قد يجعل الشركات أكثر حساسية لأي تباطؤ في الطلب أو تأخر في نشر تطبيقات تحقق إيرادات ملموسة، بما قد يرفع تكلفة رأس المال عبر سلسلة القيمة، من موردي المعدات إلى شركات الطاقة.

تخصيص رأس المال وفق جودة التدفقات النقدية
أفضل أن يمنح المستثمرون المؤسسيون وزنًا أكبر للشركات القادرة على تمويل نموها من التدفقات النقدية التشغيلية، أو التي تمتلك ميزانيات عمومية مرنة تمكنها من مواجهة فترات ضعف العوائد دون إعادة هيكلة ديونها.
وقد يدفع تزايد المخاطر بعض رؤوس الأموال نحو أدوات الدين الأعلى جودة والأسهم التي تظهر قدرة أوضح على تحقيق الربحية، ورغم أن ذلك قد يبطئ تمويل مشروعات جديدة ذات رافعة مالية مرتفعة، فإنه قد يحد من مخاطر التعثر ويعزز الانضباط الاستثماري.
وفي المقابل، أرى فرصًا لدى الشركات التي تستطيع تغطية تكلفة رأس المال المرتفعة من إيراداتها، خصوصًا إذا امتلكت عقودًا طويلة الأجل مع عملاء يتمتعون بملاءة مالية قوية، كما ستزداد أهمية التمييز بين البنية التحتية بوصفها أصلًا طويل الأجل ونماذج الأعمال التي تعتمد على التأجير قصير الأجل.

السيناريوهات المحتملة في 2026
إذا استمر إصدار الديون دون تحسن واضح في قدرة الشركات على خدمة التزاماتها، فقد ترتفع تكلفة التمويل وتتراجع وتيرة بناء بعض مراكز البيانات، مع تفضيل المشروعات التي تمتلك عقودا مسبقة قوية، أما إذا نجحت الشركات الكبرى في تحويل استثماراتها إلى إيرادات بوتيرة أسرع، فقد تحتفظ بإمكانية الوصول إلى التمويل بشروط أكثر ملاءمة، بينما تستمر الضغوط على الشركات الأقل ربحية.
وأرجح أن يتجه السوق إلى مزيد من التباين بين الشركات، مع تركيز رأس المال على اللاعبين الذين يجمعون بين المنصات المتكاملة والقدرة على التمويل الذاتي، وستظل مؤشرات مثل نسبة الدين إلى الإيرادات، وتكلفة خدمة الدين، والقدرة على تجديد التمويل بشروط معقولة، ضرورية لتقييم المخاطر خلال 2026 وما بعدها.

فرص الاقتصاد الخليجي ورؤية 2030
في سياق الاقتصاد الخليجي ورؤية السعودية 2030، أرى أن التركيز على الشراكات والاستثمارات التي تستند إلى نماذج أعمال مستدامة قد يوفر فرصًا أفضل من الانكشاف غير المدروس على شركات تواجه ضغوطا ائتمانية متزايدة، فالاقتصاد الرقمي سيظل محركًا مهمًا للنمو، لكن طريقة تمويل هذا النمو أصبحت عاملًا حاسمًا في تحديد العوائد المعدلة للمخاطر.
وفي النهاية، لا يعني ارتفاع المخاطر الائتمانية أن طفرة الذكاء الاصطناعي فقدت فرصها، بل يعني أن المستثمرين بحاجة إلى التمييز بين النمو المدعوم بإيرادات حقيقية والنمو الذي يعتمد على تراكم الديون، ومن وجهة نظري، ستكون جودة التدفقات النقدية ومرونة الميزانيات العمومية من أهم معايير تخصيص رأس المال في المرحلة المقبلة، لأن النجاح لن يتحدد بحجم الاستثمارات وحده، بل بقدرة الشركات على تحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.