الجمعة 13 مارس 2026 07:21 مـ 24 رمضان 1447 هـ
المشرف العام محمد حلمي
رئيس التحرير محمد باهي
×

سامر شقير يكشف تأثير التصعيد الإيراني على اقتصاد السعودية

الجمعة 13 مارس 2026 01:53 مـ 24 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

إنَّ التصعيد العسكري الأخير في الخليج، بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني، وتنفيذ هجمات استهدفت ناقلات نفط في مياه الخليج وتهديده بتعطيل الإمدادات العالمية، يُمثِّل لحظة مفصلية في أسواق الطاقة والاقتصاد الإقليمي، فهذه التطورات أعادت إلى الواجهة سؤالًا جوهريًّا طالما طرحه المستثمرون وصناع القرار: إلى أي مدى تستطيع الاقتصادات الخليجية، وفي مقدمتها اقتصاد السعودية الصمود أمام اضطرابات جيوسياسية تهدد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم؟

أسواق النفط لطالما كانت شديدة الحساسية لأي توتر في منطقة الخليج، خصوصًا مع ارتباط جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية بالملاحة عبر مضيق هرمز، هذا الممر البحري الضيق يشكل نقطة عبور أساسية لنحو خُمس تجارة النفط العالمية، وهو ما يعني أن أي تهديد للملاحة فيه يمكن أن ينعكس سريعًا على الأسعار والإمدادات.

ومع تزايد الهجمات على ناقلات النفط في المنطقة، ارتفعت المخاوف في الأسواق العالمية، حيث قفزت أسعار النفط إلى مستويات أكثر من 120 دولارًا للبرميل، مع تحذيرات من إمكانية صعودها إلى ما بين 150 و160 دولارًا إذا استمرت الاضطرابات أو توسع نطاق الصراع.

ورغم خطورة هذه التطورات، إلا أن الاقتصادات الخليجية لم تعد تعتمد على النفط بالقدر نفسه الذي كانت عليه قبل عقد من الزمن، ففي السنوات الأخيرة تبنت المملكة العربية السعودية استراتيجية تحول اقتصادي واسعة عبر برنامج رؤية 2030 الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل الوطني، وهذه الاستراتيجية بدأت تؤتي ثمارها بالفعل، حيث سجل القطاع غير النفطي في المملكة نموًا ملحوظًا بلغ نحو 4.4 في المائة في السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس تحولات تدريجية في بنية الاقتصاد السعودي.

وهذا التحول الاقتصادي لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة إصلاحات هيكلية واسعة شملت تحسين بيئة الاستثمار، وتطوير القطاعات الإنتاجية، ودعم الصناعات الجديدة، فقد توسعت المملكة في مجالات السياحة والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة، إضافة إلى الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة، كما لعب صندوق الاستثمار العام دورًا محوريًّا في دعم هذه التحولات، عبر ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع استراتيجية داخل المملكة وخارجها، ما عزز قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص الصدمات المرتبطة بتقلبات أسعار النفط.

وفي خضم التصعيد العسكري، فإن أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية للمملكة يتمثل في بنيتها التحتية النفطية المتطورة وخططها الاستباقية لإدارة الأزمات، فالمملكة تمتلك خطوط أنابيب بديلة مثل خط الشرق–الغرب الذي يمتد عبر أراضيها إلى البحر الأحمر، وتصل طاقته الاستيعابية إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًّا، وهو ما يسمح بتجاوز جزء كبير من الاعتماد على الملاحة عبر مضيق هرمز في حالات الطوارئ، هذه القدرة اللوجستية تمنح المملكة هامشًا أكبر من المرونة في مواجهة أي اضطرابات محتملة في حركة الشحن البحري.

ولم تتوقف التجارة العالمية رغم التوترات، إذ سارعت شركات الشحن الكبرى إلى تعديل مساراتها للحفاظ على تدفق البضائع. فقد أعلنت شركتا Maersk وHapag-Lloyd عن إجراءات طوارئ تضمنت إعادة توجيه بعض السفن ورفع مستويات التأمين البحري، إضافة إلى فرض رسوم إضافية لتغطية التكاليف التشغيلية الناتجة عن تغيير المسارات.

هذه الإجراءات ساعدت على استمرار حركة التجارة إلى المواني السعودية الرئيسية مثل جدة والدمام، وهو ما يعكس ثقة الشركات العالمية في قدرة المملكة على إدارة المخاطر الإقليمية دون تعطيل كامل للتجارة.

ما يحدث اليوم يمثل اختبارًا حقيقيًّا لمدى نجاح سياسات التنويع الاقتصادي في الخليج، فالدول التي نجحت في بناء اقتصاد متعدد القطاعات ستكون أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات أسواق الطاقة، وفي حالة المملكة العربية السعودية، فإن ارتفاع الصادرات غير النفطية بنحو 11 في المائة خلال الفترة الأخيرة يعكس تقدمًا واضحًا في هذا المسار، ويؤكد أنَّ الاقتصاد السعودي بدأ يتحول تدريجيًّا إلى نموذج أكثر توازنًا واستدامة.

ومن منظور استثماري، فإن الأزمات الجيوسياسية غالبًا ما تخلق فرصًا جديدة في الأسواق، فبينما يركز الكثيرون على مخاطر ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب الإمدادات، يرى المستثمرون الاستراتيجيون فرصًا في القطاعات التي تستفيد من التحولات الاقتصادية، مثل التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة المتجددة، والسياحة، والخدمات اللوجستية هذه القطاعات، وفقًا لشقير، تمثل المحرك الحقيقي للنمو الاقتصادي في المرحلة المقبلة.

ختامًا، فإن الاقتصاد السعودي يقف اليوم على مفترق طرق مهم، حيث تفرض التوترات الإقليمية تحديات حقيقية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن مدى التقدم الذي تحقق في مسار التنويع الاقتصادي، ومع استمرار الاستثمارات الضخمة في القطاعات غير النفطية، يمكن للمملكة أن تعزز موقعها ليس فقط كقوة طاقة عالمية، بل كمركز إقليمي للاستثمار والابتكار والنمو المستدام في الشرق الأوسط.