سامر شقير: هل يكشف سقوط الهند الصامت عن قوة الخليج الصاعدة؟
في لحظة اقتصادية لافتة، انزلقت الهند من المركز الخامس إلى السادس عالميًّا ضمن أكبر الاقتصادات من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، بعد تراجع حاد في قيمة الروبية أمام الدولار، ما أدى إلى تقليص حجم اقتصادها عند القياس بالدولار، في المقابل، استعادت المملكة المتحدة موقعها في المركز الخامس، مدفوعة بنمو محدود لكنه كافٍ لتغيير الترتيب.
ورغم أنَّ التَّحوُّل يبدو رقميًّا في ظاهره، إلا أنه يكشف عن حقيقة أعمق في بنية الاقتصاد العالمي، ليست الضخامة وحدها ما يصنع الثقل الاقتصادي، بل قوة العملة، واستقرار السياسات النقدية، ووضوح الرؤية طويلة المدى.
في هذا السياق، تبرز دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، كوجهة استثمارية تتقدم بثبات في خريطة الاقتصاد العالمي، مستفيدة من استقرار نقدي واضح ورؤية استراتيجية شاملة ضمن إطار رؤية 2030.
يرى سامر شقير، رائد الاستثمار، أن ما حدث للهند يعكس هشاشة بعض الاقتصادات الناشئة أمام تقلبات سوق الصرف، حيث يقول: «الاقتصادات التي تعتمد على نمو سريع دون أساس نقدي متين قد تحقق قفزات مؤقتة، لكنها تظل عرضة لتراجع سريع في التصنيفات العالمية، على النقيض، الاقتصادات التي تبني نفسها على استقرار طويل الأمد تحافظ على ثقة المستثمرين حتى في أصعب الظروف».
الهند، التي نجحت في 2022 في تجاوز المملكة المتحدة، تجد نفسها اليوم في موقع مختلف، ليس بسبب انهيار في الإنتاج الحقيقي، بل نتيجة ضغط العملة المحلية أمام الدولار، وهو ما يسلط الضوء على الفارق بين "نمو الإنتاج" و"قيمة الاقتصاد المقومة عالميًّا".
في المقابل، يزداد اهتمام المستثمرين في الخليج بهذا التحول العالمي، خاصةً مع استمرار السعودية في تنفيذ مشاريع تنويع اقتصادي واسعة تشمل السياحة، والطاقة المتجددة، والتقنية، واللوجستيات، كما أن الأداء القوي للقطاع غير النفطي يعزز من جاذبية الاقتصاد السعودي في مواجهة التقلبات العالمية.
ويضيف شقير: «ما يحدث في الهند يذكِّرنا بأنَّ الاستقرار النقدي ليس تفصيلًا تقنيًّا، بل عنصر أساسي في بناء الثقة الاستثمارية، في الخليج، لدينا نموذج مختلف يقوم على عملات مستقرة، واحتياطيات قوية، وخطط استراتيجية واضحة».
ومع اقتراب عام 2026، تتزايد الفرص الاستثمارية في المنطقة، خاصة في ثلاثة مسارات رئيسية: تنويع الاقتصاد، وتعميق أسواق المال، وتوسيع الشراكات في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي.
لكن الدرس الأهم، وفق قراءة هذا التحول، هو أن الترتيب العالمي للاقتصادات لم يعد ثابتًا كما كان، بل أصبح أكثر حساسية لتقلبات العملة والسياسات النقدية، وهو ما يُعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي عالميًّا.
في النهاية، لا يبدو تراجع الهند مجرد تغيير في جدول ترتيب، بل إشارة إلى أن الاقتصاد الحديث يُقاس بقدرة الدول على الجمع بين النمو والاستقرار معًا، وفي المقابل، تمضي دول الخليج في بناء نموذج اقتصادي يقوم على الرؤية قبل الرقم، والاستدامة قبل القفزات السريعة.
