السبت 25 يوليو 2026 04:51 مـ 9 صفر 1448 هـ
رئيس التحرير محمد حلمي
×

سامر شقير: السياسات التجارية الأميركية تدفع العالم نحو مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاقتصادي

السبت 25 يوليو 2026 12:04 مـ 9 صفر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير إن الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها الإدارة الأميركية على نحو 60 شريكاً تجارياً، بمعدلات تتراوح بين 10% و12.5% بدعوى مكافحة السلع المنتجة عبر "العمل القسري"، تمثل مرحلة جديدة من تصاعد السياسات الحمائية العالمية، وتحمل تداعيات مباشرة على سلاسل التوريد الدولية وتدفقات رأس المال. 

وأوضح شقير أن هذه الإجراءات، التي جاءت بالتزامن مع فرض رسوم بنسبة 50% على مجموعة من السلع الكندية، تؤكد أن عدم اليقين التجاري سيظل عاملاً هيكلياً مؤثراً خلال عام 2026، بما يفرض على المستثمرين المؤسسيين إعادة تقييم توزيع محافظهم الاستثمارية جغرافياً وقطاعياً.

موجة جديدة من الحماية التجارية

أوضح سامر شقير أن الرسوم الجديدة جاءت ضمن إطار المادة 301 من قانون التجارة الأميركي لعام 1974، عقب تحقيق خلص إلى أن عدداً كبيراً من الشركاء التجاريين لم يفرضوا أو يطبقوا بصورة كافية حظراً على واردات السلع المنتجة باستخدام العمل القسري.

وأضاف شقير أن الخطوة واجهت انتقادات واسعة، حيث وصفتها المفوضية الأوروبية بأنها تفتقر إلى أسس موضوعية، فيما اعتبرتها الحكومة البرازيلية إجراءً تعسفياً وغير مبرر قانونياً، معلنة تفعيل قانون المعاملة بالمثل للرد عليها، بينما أكدت أستراليا أن الرسوم لا تخدم التجارة الحرة والعادلة بقدر ما تستهدف زيادة الإيرادات.

وأشار إلى أن هذه الإجراءات جاءت بالتزامن مع فرض رسوم أميركية بنسبة 50% على مجموعة من الصادرات الكندية تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، في خطوة تعكس استمرار النهج الحمائي رغم الأحكام القضائية السابقة التي أبطلت بعض الرسوم الأوسع نطاقاً، وهو ما يدفع العديد من الشركاء التجاريين إلى تسريع خطط تنويع الأسواق.

ضغوط على التجارة العالمية وسلاسل التوريد

أكد سامر شقير أن الرسوم الجديدة سترفع تكاليف الاستيراد داخل الولايات المتحدة، بما قد يضيف ضغوطاً تضخمية محدودة، في الوقت الذي تضغط فيه على هوامش أرباح الشركات المصدرة في الأسواق الناشئة.

وأضاف شقير أن عدداً من السلع الأساسية، مثل خام الحديد، والذرة، وفول الصويا، والنفط البرازيلي، قد يشهد إعادة توجيه جزئية في التدفقات التجارية، بينما ستواجه سلاسل التوريد الصناعية في أوروبا وآسيا تحديات إضافية تتعلق بارتفاع التكاليف ومتطلبات الامتثال.

وقال: "ما نشهده اليوم يؤكد أن التجزئة التجارية لم تعد حدثاً مؤقتاً، وإنما أصبحت عاملاً هيكلياً يفرض على المستثمرين المؤسسيين إعادة بناء محافظهم الاستثمارية حول مفاهيم الاستقرار والمرونة".

وأضاف شقير أن تخصيص رأس المال بات يميل بصورة متزايدة نحو الاقتصادات التي تمتلك قاعدة إنتاجية متنوعة وعلاقات تجارية واسعة، بعيداً عن الاعتماد على سوق واحدة.

المستثمرون يعيدون ترتيب المحافظ

وأشار سامر شقير إلى أن المستثمرين العالميين أصبحوا أكثر ميلاً إلى تفضيل القطاعات الدفاعية والشركات التي تمتلك سلاسل توريد متنوعة جغرافياً، في ظل ارتفاع مستويات المخاطر التجارية.

وأوضح شقير أن أسواق الدخل الثابت قد تشهد اتساعاً محدوداً في علاوات المخاطر على سندات الأسواق الناشئة الأكثر اعتماداً على الصادرات إلى الولايات المتحدة، بينما يظل قطاع الطاقة محل متابعة، إذ قد يؤدي تباطؤ النمو العالمي الناتج عن النزاعات التجارية إلى التأثير في الطلب على النفط والغاز.

وأضاف أن الاقتصادات المصدرة للطاقة التي تمتلك شركاء تجاريين متنوعين ستكون أكثر قدرة على الاستفادة من إعادة توجيه التجارة العالمية.

كما أشار شقير إلى أن صناديق الاستثمار الخاصة ورؤوس الأموال الجريئة قد تؤجل بعض الصفقات العابرة للحدود في القطاعات الصناعية التقليدية، مقابل تسارع الاستثمارات في مجالات الخدمات اللوجستية، والتصنيع القريب، والخدمات الرقمية التي تقلل الاعتماد على سلاسل التوريد الطويلة.

السعودية والخليج في موقع المستفيد

وأوضح سامر شقير أن الاقتصاد السعودي يبرز كأحد أبرز المستفيدين من إعادة توزيع الاستثمارات العالمية، في ظل ما توفره رؤية السعودية 2030 من بيئة داعمة للتنويع الاقتصادي والاستثمار طويل الأجل.

وأضاف شقير أن المملكة، بدعم من صندوق الاستثمارات العامة، تواصل تطوير قطاعات التصنيع المتقدم، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على مواجهة اضطرابات التجارة العالمية.

وأشار إلى أن الأسواق الخليجية تستفيد كذلك من موقعها الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، إضافة إلى قدرتها على جذب رؤوس الأموال الباحثة عن بيئات استثمارية مستقرة نسبياً.

وقال: "المستثمرون المؤسسيون أصبحوا يمنحون أولوية للاقتصادات التي تجمع بين وضوح السياسات والنمو الهيكلي طويل الأجل، والسعودية تقدم هذا المزيج عبر مشاريعها الكبرى وبرامجها المستمرة لجذب الاستثمار".

وأضاف شقير أن قطاعات البنية التحتية، والتحول الرقمي، والطاقة تعد من أكثر القطاعات قدرة على امتصاص الصدمات التجارية، نظراً لاعتماد جزء كبير من إيراداتها على الطلب المحلي والإقليمي.

كما توقع أن تشهد السوق المالية السعودية والأسواق الخليجية دعماً إضافياً نتيجة إعادة تخصيص المحافظ الاستثمارية بعيداً عن الأسواق الأكثر تعرضاً للرسوم الأميركية.

المخاطر والفرص الاستثمارية

وأشار سامر شقير إلى أن أبرز المخاطر تتمثل في احتمالات تصاعد الإجراءات الانتقامية بين الاقتصادات الكبرى، بما قد يؤدي إلى دوامة من الرسوم المتبادلة تضعف النمو العالمي وترفع مستويات تقلب أسعار السلع والعملات.

وأضاف شقير أن استمرار حالة عدم اليقين قد يدفع العديد من الشركات متعددة الجنسيات إلى تأجيل قرارات الإنفاق الرأسمالي والاستثمارات الجديدة.

وفي المقابل، أكد أن المرحلة الحالية تخلق فرصاً واعدة للشركات التي تمتلك القدرة على إعادة توطين الإنتاج أو تنويع مورديها، وكذلك للاقتصادات المصدرة للطاقة والسلع الأساسية القادرة على فتح أسواق جديدة، فضلاً عن الشركات العاملة في تقنيات سلاسل التوريد والامتثال والحوكمة.

وأضاف شقير قائلاً: "إدارة المخاطر في هذه المرحلة تتطلب تركيزاً أكبر على الحوكمة والمرونة التشغيلية، مع إعطاء الأولوية للاستثمارات التي تحقق قيمة مستدامة بدلاً من السعي وراء مكاسب قصيرة الأجل".

وأكد أن اتجاهات عام 2026 تشير إلى انتقال تدريجي لرؤوس الأموال نحو الأسواق التي تستطيع تحويل التحديات الجيوسياسية إلى مزايا تنافسية طويلة الأجل.

رؤية استراتيجية للمستثمرين

واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن استمرار الإدارة الأميركية في استخدام الأدوات التجارية لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية العالمية يبقي جميع السيناريوهات مفتوحة، سواء عبر التوصل إلى تسويات ثنائية تخفف من حدة الرسوم، أو استمرار التصعيد بما يؤدي إلى إعادة هيكلة أعمق لسلاسل التوريد العالمية.

وأضاف شقير أن المستثمرين المؤسسيين سيواصلون إعطاء الأولوية للمحافظ التي تتمتع بتنويع جغرافي قوي، مع التركيز على القطاعات المرتبطة بالطلب الهيكلي طويل الأجل.

وقال: "صناديق الثروة السيادية ومديرو الأصول في المنطقة أمام فرصة لتعزيز انكشافهم على الاقتصاد السعودي والأسواق الخليجية، باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لتخصيص رأس المال في بيئات أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ".

وأكد شقير أن المرحلة المقبلة ستشهد تنافساً أكبر بين الاقتصادات على جذب رؤوس الأموال العالمية، مشيراً إلى أن الأسواق التي تجمع بين الإصلاحات الهيكلية، والاستقرار، والقدرة على تحقيق نمو مستدام ستكون الأكثر جذباً للاستثمارات، وفي مقدمتها الاقتصاد السعودي في إطار رؤية 2030.