الأحد 1 نوفمبر 2026 04:43 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
رئيس التحرير محمد حلمي
×

سامر شقير يكتب: قراءة في خروج الأموال الساخنة من مصر

الأحد 1 نوفمبر 2026 12:46 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

تعيد تقديرات بنك ستاندرد تشارترد بشأن احتمال خروج ما بين 10 و15 مليار دولار من استثمارات الأجانب قصيرة الأجل في مصر تسليط الضوء على إحدى أكثر نقاط الحساسية في الاقتصاد المصري، وهي الاعتماد على تدفقات رؤوس الأموال الباحثة عن العائد المرتفع وسهولة الدخول والخروج، فبعد وصول استثمارات الأجانب في أذون الخزانة إلى مستوى قياسي بلغ 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، أصبحت احتمالات التخارج مجددًا اختبارًا لقدرة السوق على التعامل مع الصدمات الخارجية دون ضغوط حادة على سعر الصرف أو الاستقرار النقدي.
أرى أن القضية لا تتعلق فقط بحجم الأموال المتوقع خروجها، بل بطبيعة هذه التدفقات ومدى استدامتها، فالأموال الساخنة يمكن أن توفر سيولة مهمة وتدعم احتياطيات النقد الأجنبي خلال فترات الاستقرار، لكنها تظل مرتبطة بفروق أسعار الفائدة وتوقعات المستثمرين ومخاطر الأسواق، ولذلك، فإن أي تغير في البيئة الجيوسياسية أو توقعات سعر الصرف قد يدفع هذه الأموال إلى إعادة تموضع سريعة.

الأموال الساخنة تكشف حدود الاعتماد على العائد المرتفع
شهدت السوق المصرية خلال عام 2026 تحركات حادة في استثمارات المحافظ الأجنبية، إذ خرج نحو 15.8 مليار دولار خلال أول شهرين من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، ليتراجع رصيد الاستثمارات إلى 36.04 مليار دولار بنهاية مارس، قبل أن يستعيد زخمه ويصل إلى مستوى قياسي بلغ 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو.
لكن هذه العودة لم تعنِ اختفاء المخاطر، إذ سجلت السوق الثانوية لأذون الخزانة صافي خروج بنحو 3.5 مليار دولار خلال أكتوبر، بالتزامن مع تراجع الجنيه إلى مستويات تجاوزت 56 جنيهًا مقابل الدولار.
ومن وجهة نظري، تعكس هذه التحركات طبيعة رأس المال قصير الأجل؛ فهو قادر على العودة بقوة عندما تتحسن شهية المخاطرة، لكنه لا يتردد في الخروج عندما ترتفع علاوة المخاطر، وهذا ما يجعل سهولة التخارج، التي أشار إليها مازن بربير، رئيس تداول العملات الإقليمي في ستاندرد تشارترد، سلاحًا ذا حدين؛ فهي تمنح المستثمرين ثقة أكبر في إمكانية العودة مستقبلًا، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذه التدفقات ليست بديلًا عن الاستثمار طويل الأجل.

الجنيه المصري في مواجهة اختبار الثقة
أعتقد أن الضغوط الحالية لا يمكن فصلها عن التطورات الجيوسياسية الإقليمية، خصوصًا أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية تجاه أي إشارات قد تؤثر على استقرار المنطقة أو تزيد احتمالات اتساع نطاق التوترات.
كما أن الموافقة البرلمانية على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم السعودية عسكريًّا إذا تطلب الأمر، أعادت بعض المخاوف الجيوسياسية إلى حسابات المستثمرين، في وقت كانت فيه السوق تحاول استعادة استقرار تدفقات النقد الأجنبي.
لكنني لا أرى أن هذه التطورات تعني بالضرورة تراجعًا جوهريًّا في الأسس الاقتصادية المصرية، بقدر ما تكشف عن سرعة تأثر المستثمرين قصيري الأجل بالتوقعات والمخاطر المحتملة.
وفي هذا السياق، يمثل استقرار سعر الصرف عاملًا حاسمًا في قرارات تخصيص رأس المال؛ فالمستثمر الأجنبي لا ينظر إلى العائد الاسمي المرتفع وحده، بل يحسب العائد بعد احتساب مخاطر انخفاض قيمة العملة وتكلفة الخروج وإعادة تحويل الأموال.

السياسة النقدية وحدها لا تكفي لاحتواء التخارج
أرى أن تحركات أسعار الفائدة يمكن أن تساعد في الحفاظ على جاذبية الأصول المحلية، لكنها ليست أداة كافية بمفردها لاحتواء خروج الأموال الساخنة إذا تصاعدت المخاطر الجيوسياسية أو تراجعت الثقة في استقرار سعر الصرف.
فرفع الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس قد يمثل رسالة نقدية تستهدف تعزيز جاذبية الجنيه واحتواء الضغوط التضخمية، لكنه في المقابل يزيد تكلفة التمويل المحلي، وقد يضغط على الشركات والقطاعات كثيفة الاعتماد على الاقتراض.
ومن وجهة نظري، تحتاج مصر إلى مزيج أكثر توازنًا من السياسات، يجمع بين مرونة سعر الصرف وتعزيز الاحتياطيات وتنويع مصادر النقد الأجنبي، إلى جانب تسريع الإصلاحات الهيكلية القادرة على جذب استثمارات مباشرة في قطاعات الإنتاج والتصدير.

إعادة توجيه رأس المال نحو الاستثمارات طويلة الأجل
أفضّل أن ينظر المستثمرون المؤسسيون إلى التطورات الحالية باعتبارها فرصة لإعادة تقييم جودة الأصول ومصادر العائد في الأسواق الناشئة، وليس مجرد إشارة إلى التخارج من السوق المصرية.
فالفارق كبير بين الاستثمار في أذون الخزانة قصيرة الأجل، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على فروق أسعار الفائدة وتوقعات العملة، والاستثمار المباشر في قطاعات إنتاجية تمتلك أصولًا تشغيلية وتدفقات نقدية وقدرة على التوسع.
وأرى أن القطاعات المرتبطة بالصناعة والتصدير والطاقة والبنية التحتية والخدمات الرقمية يمكن أن توفر فرصًا أكثر ارتباطًا بالنمو الاقتصادي طويل الأجل، شريطة توافر بيئة تنظيمية واضحة وآليات تمويل مستقرة.
كما أن المستثمرين الذين يعتمدون استراتيجيات العائد المطلق سيواصلون مراقبة فارق الفائدة ومرونة سعر الصرف، بينما ستحتاج الصناديق طويلة الأجل إلى مؤشرات أكثر وضوحًا بشأن استدامة الإصلاحات وتحسن بيئة الأعمال قبل زيادة انكشافها على السوق المصرية.

الاقتصاد الخليجي يستفيد من إعادة تقييم المخاطر
أعتقد أن تقلبات تدفقات الأموال الساخنة في مصر قد تعزز اهتمام بعض المستثمرين الإقليميين بإعادة توزيع محافظهم بين الأسواق، خصوصًا الاقتصادات الخليجية التي تعمل على توسيع قاعدة أصولها الاستثمارية وتنويع مصادر النمو.
وتبرز السعودية في هذا السياق من خلال مستهدفات رؤية 2030، التي تركز على تطوير قطاعات البنية التحتية والطاقة والسياحة والتكنولوجيا والخدمات المالية، بما يتيح فرصًا استثمارية طويلة الأجل تتجاوز الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل.
ولا يعني ذلك بالضرورة انتقالًا فوريًّا واسعًا لرؤوس الأموال من مصر إلى الخليج، لكنه يعكس أهمية مقارنة الأسواق وفق طبيعة التدفقات النقدية واستقرار البيئة التنظيمية ومخاطر العملة والقدرة على تحقيق عوائد مستدامة.

هل تعود الأموال الساخنة إلى مصر؟
في تقديري، تظل عودة جزء من التدفقات الخارجة احتمالًا قائمًا إذا تراجعت حدة التوترات الإقليمية واستقرت سوق الصرف وتحسنت شهية المخاطرة تجاه الأسواق الناشئة، وتجربة عودة الاستثمارات الأجنبية إلى مستويات قياسية بعد موجة التخارج في مارس تؤكد أن السوق المصرية لا تزال قادرة على جذب رؤوس الأموال عندما تتغير التوقعات.
لكنني أميل إلى توقع استمرار الحذر خلال الفترة المقبلة، خصوصًا أن تقديرات خروج 10 إلى 15 مليار دولار تضع اختبارًا جديدًا أمام قدرة الاقتصاد على إدارة السيولة الأجنبية دون الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة.
في النهاية، لا أتعامل مع هذه التقديرات باعتبارها مؤشرًا على خروج دائم لرأس المال الأجنبي من مصر، بل باعتبارها تحذيرًا من مخاطر الاعتماد على مصادر تمويل شديدة الحساسية للتقلبات، فالتحدي الحقيقي ليس استقطاب الأموال عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة، وإنما بناء اقتصاد قادر على الاحتفاظ بالاستثمارات من خلال الإنتاجية والتصدير والاستثمار المباشر.
وأرى أن المرحلة المقبلة ستحدد قدرة مصر على الانتقال من نموذج يعتمد على جذب السيولة قصيرة الأجل إلى نموذج يستقطب رأس مال أكثر استقرارًا، وهو تحول ستكون له انعكاسات مباشرة على تكلفة التمويل واستقرار العملة وجاذبية الاقتصاد المصري للاستثمار المؤسسي.